ستحفظ الذاكرة الفلسطينية ما سيخلده التاريخ، وسيتعلّم الأولاد في كتبهم أن شهر تشرين الثاني من هذا العام كان شهر انتصارات فلسطينية بامتياز، لقد خاض الفلسطينيون في هذا الشهر أشرس معاركهم العسكرية والدبلوماسية وكان النصر حليفهم، سيكتب التلاميذ على مقاعد الدراسة "في ذلك الشهر حمل الفلسطينيون ما يملكون من أسلحة الإرادة الإصرار مدججين بقوة الحق ليهزموا قوى الشر والاحتلال وكان ذلك". من يقرأ التاريخ بهدوء وبعيداً عن المواقف المسبقة لا بد أن يعترف أن معركتي الشهر الماضي سجلتا من التحدي ما يمكن أن يؤسس لصفحة جديدة في إطار الكفاح الطويل على طريق الانتصار والتحرير، ومن حق كل فلسطيني أن يفخر بما تحقق وأعطى أملاً كبيراً لمواصلة النضال، ففلسطين تتقدم وإسرائيل تتراجع، المشروع الفلسطيني يراكم نقاطاً، وبالمقابل مشروع الاحتلال يسجّل خسارات على طريق الرحيل والهزيمة كما كل من سبقه من قوى عسكرية اعتقدت أن السلاح يمكن أن ينتصر على الإرادة، وإسرائيل فشلت في قراءة كل دروس التاريخ، وها هي تتعلّم الدرس في القدس من المقاومة وفي نيويورك من الدبلوماسية السياسية الفلسطينية. هذا هو الواقع ودون تضخيم، بأن هذه المعارك هي معارك النصر الكبرى ولكن أيضاً دون تبهيت تردده بعض الأصوات في الساحة الفلسطينية والتي رغم كل الأحداث الكبيرة فإنها لم تغادر ثوبها الحزبي الذي أصابها بالعمى حد رفض رؤية أي إنجاز يحققه الخصم السياسي ولا ترى سوى أن الانتصار لجهة سياسية واحدة، ويصل الأمر حد تمني الهزيمة وانتصار إسرائيل حين يقود المنافس سياسياً المعركة ضد إسرائيل. أثناء المعركتين برزت أصوات كأنها تستكثر على الفلسطينيين تحقيق إنجاز ضد إسرائيل، فالمنافسة السياسية وصلت حد إحباط الشعب الفلسطيني والتقليل مما يحققه من انتصارات، كان يكفي النظر لردود فعل إسرائيل لقياس حجم الإنجاز، وليس من المبالغة القول إن هذا الشهر كان شهراً صعباً على إسرائيل. معركة الأمم المتحدة كانت أشبه بحرب شوارع دبلوماسية، هدد الإسرائيليون القيادة الفلسطينية حد التصفية، استخدمت إسرائيل كل ما تمتلكه من أسلحة ومصالح وأموال ولوبيات ضغط وإعلام وقوة الولايات المتحدة التي حاولت ثني الرئيس عباس عن التوجه للأمم المتحدة، واستمرت حتى ربع الساعة الأخيرة بالتهديد والوعيد، وفتحت إسرائيل خطوطها الساخنة مع كل دول العالم ووضع الفلسطيني ظهره للحائط متكئاً إلى حقه في أرضه على الرغم من كل تهديدات إسرائيل بالخنق والسحق، وذهب حتى النهاية وعلى غير المتوقع بهذه المعركة ليهدي شعبه انتصاراً، وللاحتلال انكساراً. من لم يعمل في السياسة لا يعرف ماذا تعني الضغوط السياسية والتي قلما يصمد أمامها أعتى السياسيين في العالم، فكل القوى الفلسطينية خاضت مفاوضات ورأينا حتى على مستوى الإقليم كيف أن ضغوط أجهزة دول كانت كفيلة بتغيير المواقف، فما بالنا حين يكون الأمر على مستوى العالم وحين يكون على رأس تلك الضغوط سياسياً الولايات المتحدة، وميدانياً إسرائيل، حقاً إنه قدر من الشجاعة يستحق الاحترام، ومن الاستخفاف اعتبار أن ما تحقق من تظاهرة دولية ضد إسرائيل، وحسم مسألة الأرض الفلسطينية من أراض متنازع عليها إلى أراض محتلة هي مسألة ضد الحقوق الفلسطينية، إن ذلك ليس أكثر من منافسات حزبية صغيرة لا تستحق أن تسجل في إطار القراءات الموضوعية لتاريخ الصراع. وقبل ذلك بأسبوع فقط كانت المقاومة الفلسطينية تقود معركتها حد العظم بما تمتلك من كثير من الشجاعة وقليل من السلاح وقدر من التحدي الذي رفض الهزيمة واضعا ظهره للحائط أيضاً دون خوف من أعتى قوة عسكرية في المنطقة قادرة على تحويل قطاع غزة إلى رماد، لكن المقاومة التي خاضت معركتها هذه المرة بثقة عالية وبانضباط هادئ وإصرار كبير على ألا تنهزم وأن تهدي شعبها أملاً بهزيمة الاحتلال وقد قدمت أداءً فاجأ ليس إسرائيل بل أيضاً أصدقاء المقاومة على مستوى العالم حين تمكنت من ضرب عاصمتي إسرائيل السياسية (القدس) والاقتصادية (تل أبيب) وبكل الظروف سجلت المقاومة اختراقاً لمنظومة الأمن الإسرائيلية وانتهت المعركة بتآكل كبير بمنظومة الردع التي عولت عليها، ولا يمكن لمراقب إلا أن يرى ذلك بهدوء شديد وأن الحديث بغير ذلك هو نوع من المناكفة الحزبية والتعامي عن رؤية حقائق الأشياء ولم يكن أداء المقاومة "عرة" كما وصف أحدهم خطوة الرئيس عباس. ما هي المصلحة بالقول إن الأداء الفلسطيني كان فاشلاً سواء في معركته العسكرية أو الدبلوماسية، هذه ثقافة وردت على لسان أكثر من مسؤول من كلا الجانبين المتصارعين في الساحة الفلسطينية أو من يقدمون أنفسهم باعتبارهم كتاباً ومحللين يحللون ويحرمون فقط ما تشرعه لهم مصالحهم وقيادتهم السياسية ولكن هذه الثقافة المحبطة نتيجتها قتل الأمل لدى شعب يعتبر الأمل عنصر قوته وسبب بقائه الوحيد على هذه الأرض، وإلا لو كان الأمر غير ذلك لترك المكان منذ زمن باحثاً عن دول بديلة ولكنه هنا لأنه يعرف أن المستقبل له وأن شعبه سينتصر ويقيم دولته. هناك انقسام قصم ظهر الساحة الفلسطينية وأصابها إصابة مزمنة يحق للجميع أن يقول كلمته حول هذا الانقسام، ويحق للكل أن ينتقد الفصائل والنظام السياسي حين يخطئ بحق المواطن والوطن، ولكن الموضوعية تقتضي حين يتقدم أحد باتجاه فلسطين أن يقترب من شعبها ويهديه نصراً نادراً ويكون سبباً لأن تمتلئ شوارع المدن بالفرح، لا بد أن يقال له شكراً لقد أخذتنا المقاومة وأخذنا الرئيس خلال الأسبوعين الماضيين نحو النصر وإن كانت انتصارات جزئية وصغيرة فلهما كل الاحترام. من باب المناكفة يسأل أحدهم: هل خطوة أبو مازن تعيد اللاجئين الفلسطينيين؟ هذا يعني أن نطلب من المعارك التكتيكية أن تحقق الأهداف الإستراتيجية، لا يمكن وضع سؤال كهذا إلا في إطار المزاودة الساذجة، فهذه معركة تفتح معارك، ويشبه السؤال في وضعه كمن يطلب من المقاومة أن تقوم بتحرير المناطق التي وصلتها صواريخها ولأنها لم تحرر تل أبيب فهذا يعني أن المعركة لم تكن على مستوى المطلوب. وفي تلك المناكفة ظلم كبير للفصائل والقوى السياسية، وظلم واستهتار بالمواطن الفلسطيني وهي محاولة كل طرف لتقزيم وتبهيت انتصار الآخر وتلك ربما تطرح سؤالاً كبيراً حول المصالحة الوطنية. الإنجازات التي تحققت يفترض أن تجعل أطراف الانقسام أكثر ثقة بنفسها والمصالحة تتطلب تنازلات، ولا يقدم التنازلات سوى الواثق وما حدث ربما يساهم إلى حد كبير في الذهاب نحو إعادة بناء النظام السياسي والذي أصبح ضرورة بعد خطوة رفع التمثيل الفلسطيني إلى دولة، فلم تعد السلطة الوطنية تلائم هذا التوصيف والخطوة الآن الذهاب لبناء نظام الدولة وحكومة دولة فلسطين وهذا يتطلب أولاً إنهاء الانقسام وإن لم يتم ذلك ستكون معاركنا الصغيرة هي السبب في إجهاض انتصاراتنا الكبيرة. Atallah.akram@hotmail.com