لا يختلف الفلسطينيون على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية على أن الوضع الحالي الذي يعيش في ظله هذا الشعب المظلوم هو سيء على كل المستويات .فالمشروع الوطني وصل إلى طريق مسدود بسبب السياسات الإسرائيلية التي مارستها وتمارسها الحكومات المختلفة منذ بداية عملية "أوسلو" وخاصة منذ مقتل اسحق رابين. ولا يوجد في الأفق المنظور ما يوحي بوجود نافذة يمكن أن تمر منها العملية السياسية المجمدة وربما الميتة في ظل التوجهات القائمة في إسرائيل.ولا يوجد لدي أي من القيادات الفلسطينية بدائل أو رؤية لكيفية التعامل مع هذا الوضع، وحتى قصة الذهاب للأمم المتحدة أو الإعلان عن وفاة “أوسلو" لا يبدو أنها ستغير الوضع. لأن الوضع الدولي والإقليمي لا يساعد في معالجة القضية الفلسطينية بشكل جدي.ولا يوجد أي حل لموضوع الانقسام الحاصل بين شقي الوطن، حيث بات من المؤكد أن أي اتفاق للمصالحة والوحدة غير قابل للتطبيق، وهناك مصالح صغرى وكبرى تمنع مثل هذه المصالحة وتعيقها. والاقتصاد الفلسطيني يعاني من أزمة مستفحلة لا تحلها أية إجراءات أو حلول يغلب عليها طابع الترقيع، وهذا طبيعي في ظل وصول العملية السياسية إلى طريق مسدود والأوضاع الدولية الراهنة. وهناك حالة عامة من الإحباط وخيبة الأمل في إمكانية تغير الأمور للأفضل في هذه المرحلة.لكن هذه الحالة التي دفعت الناس للخروج للشارع حتى لو كانت مطالبهم تنحصر في تحسين أوضاعهم المعيشية وضرورة معالجة الغلاء الفاحش في الأسعار، وخاصة أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، لا تدعو لليأس إطلاقاً على الرغم من وجود حالة من عدم اليقين. فشعبنا قادر دائماً على إحداث المعجزات ومفاجأة حتى قياداته، وهو يمتلك من الطاقات ما تعجز الكتب عن وصفها. وربما يحتاج إلى دليل أو مرشد أو ما يدعو لتعزيز القناعة بأن تدخله في هذه المرحلة سيؤدي على حدوث تقدم على المستوى الوطني أو على أي مستوى حتى لو لصالح التغيير على المستوى الداخلي. و لهذا من المفيد بحث مجموعة من الأفكار والمقترحات التي ربما تفيد الناس في تلمس الطريق نحو المستقبل.في ظل هذه المشكلات والأزمات لابد من تدخل الشعب لكي يحسم كل تردد أو تملص من مواجهة الاستحقاقات الكبرى التي تواجه قضيتنا الوطنية التي تتآكل بفعل الواقع الصعب والمتغير على الدوام. ويمكن أن يكون المدخل لهذا التدخل هو العودة للخيار الديمقراطي، فالانتخابات كفيلة بإنهاء الانقسام وضخ دماء جديدة في الهيئات القيادية في كل مستويات صنع القرار . ولا شك أن تدخلاً قوياً من الشعب بحجم انتفاضة أو ثورة شعبية جديدة تحت هذا العنوان يمكنها أن تفرض خضوعاً على كل القيادات التي تستمريْ الوضع الحالي ولها مصلحة في استمراره. ولا تستطيع " حماس" على سبيل المثال الوقوف ضد إرادة الشعب في مطلبه العادل بإجراء انتخابات عامة للتشريعي والرئاسة والمجلس الوطني وكل المؤسسات والهيئات المشلولة والتي تعاني من التكلس والترهل. ولا أحد غيرها يمكنه ذلك ، طالما أن الجميع يتغني بثورات الربيع العربي والكل يؤيد الخيار الديمقراطي للشعوب. ومن يجرؤ على المعارضة تسحقه إرادة الشعب وخياره وقراره الوطني.طبعاً ليس سهلاً أن يثور الشعب من أجل هذا الموضوع ولابد من تولد قناعة راسخة بهذه الفكرة التي لا تنهي فقط الانقسام وتعيد ترتيب الحالة القيادية وإحياء المؤسسات، بل أنها ستساهم في إعادة الاعتبار للمشروع الوطني ، فأي حالة جديدة قائمة على الانتخابات ستؤدي إلى ترسيخ حقوق الشعب في دولة خاصة به وستدحض أية أكاذيب أو إدعاءات في قدرة شعبنا على حكم نفسه بنفسه ، وهي ادعاءات ظهرت بعد الانقسام الكارثي. كما أنه ليس من السهل أن يجري الأمور بشكل منظم ومرتب وواعي نحو انتفاضة شعبية سلمية، فهناك أطراف ستحاول حرف أي جهد وطني شعبي عن مساره نحو التخريب والعنف. وعليه لابد من تهيئة المناخ الشعبي لهكذا خطوة لضمان نجاحها ووصولها إلى أهدافها المرجوة. هناك حاجة لإعادة التوعية والتثقيف بأهمية الخيار الديمقراطي والتحركات الشعبية السلمية المنظمة والحاشدة والقوية لتحقيق مطالب الجماهير والحفاظ على حقوقها ، وهذا من المفروض أن يكون دور الأحزاب السياسية والمنظمات الشعبية والأهلية المعنية، والتركيز يجب أن يكون على قطاع الشباب بدرجة أساسية لأنهم عماد التحركات الشعبية القادمة كما كانوا في كل انتفاضة أو ثورة شعبية. إذا كانت هناك حاجة للحراك الشعبي القوي والفاعل فمن الضروري أخذ العبر من التحركات التي شهدتها مناطق الضفة الغربية المختلفة خلال الأسبوع الماضي ، والتي أكدت وعي الشعب لمصالحه وحاجاته، ولكنها أظهرت في الوقت نفسه أنه وبعد سنوات على إعادة الأمن والنظام والقضاء على الفوضى والفلتان لا تزال بذور هذه الظاهرة موجودة وبقوة في مجتمعنا وهناك قوى مستعدة لتغذيتها لإعادتنا مرة أخرى إلى هذا المربع المدمر .والدرس الأهم هو فعل كل شيء ممكن من أجل تطويق العناصر المخربة وتحجيمها، وعدم السماح لها بالسيطرة مجدداً على الشارع وحرف نضال الناس الوطني والمطلبي لصالح حالة من الفوضى تحقق مصالح مجموعات أو قوى محددة لا تاريد الخير لهذا الشعب، فهل نحن قادرون على ذلك؟