حسناً فعل الناطق الرسمي باسم مؤتمر عدم الانحياز الذي انعقد في طهران يوم الثلاثين من الشهر الماضي بالإعلان عن عدم دعوة السيد إسماعيل هنية رئيس حكومة غزة لحضور المؤتمر حيث قال: أن الدعوة لم توجه أصلاً لهنية وأنها وجهت حصرياً للرئيس الفلسطيني. وحسناً فعل السيد هنية والناطقين باسمه حين أعلن رفضه قبول الدعوة وعدم المشاركة. كانت الأخبار المتداولة عن دعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد طرفين فلسطينيين لتمثيل الشعب الفلسطيني في المؤتمر المذكور قد خلقت لغطاً كبيراً في الساحة الفلسطينية وأدت لهجوم من جانب بعض الكتاب على إيران ورئيسها باعتباره يساهم بهذه الدعوة في تعميق الانشقاق كما يشكك في وحدانية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني في الوقت الذي يعتبره هؤلاء الانجاز الأكبر في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة. والملاحظ أن من هؤلاء الكتاب من انتقد الدعوة الإيرانية من خلفية الحرص حقاً وصدقاً على الانجاز الفلسطيني وحمايته من التبديد أو خلق مزيد من عوامل الفرقة والانقسام في الساحة الفلسطينية وآخرين وجدوها فرصة للهجوم على إيران والنيل من مصداقية مساندتها للشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية، وغالى بعضهم ليصف إيران بالعدو الذي تتساوى خطورته مع العدو الصهيوني والأمريكي وهذا بالتأكيد لا يعبر عن رأي الشارع الفلسطيني أو حقيقة الأمر. هذا الموضوع المستجد حتى وإن اتضحت معالمه وطويت صفحته اليوم أعادنا لقصة التمثيل الفلسطيني والهوية الوطنية ومكانة منظمة التحرير، وأيضاً لكلام يقال من هنا وهناك حول أحقية المنظمة ورئيسها في تمثيلنا كشعب ومن أين جاءته هذه الصلاحية أو شرعية التمثيل. وبالتأكيد فإن من يثير هذه التساؤلات فإنما يثيرها للقول أن المنظمة ولجنتها التنفيذية لا يمثلان الشعب الفلسطيني وليس من حقهما فعل ذلك على خلفية جملة السياسات التي يتبعها هؤلاء في إدارة معركة المصير مع الكيان الصهيوني، وان هذه السياسة هي استسلامية وانبطاحية ولا تؤدي لنيل شعبنا حقوقه حتى كما نصت عليها اتفاقات أوسلو التفريطية (ونحن نتفق مع هذا التوصيف ولا نجده مبررا للهجوم على وحدانية التمثيل). وحتى يكون النقاش في هذه وتلك واضحاً ولا نخلط الحابل بالنابل لابد في البداية أن نشير لمسألتين الأولى أن رئاسة المنظمة ولجنتها التنفيذية تتغيران ويجري استبدالها في أوقات حددها النظام الأساسي للمنظمة ولا يعيب هذا تلكؤ القائمين عليها في إجراء الانتخابات والخطوات اللازمة قانوناً لهذا التغيير. والثاني أن منظمة التحرير الفلسطينية من حيث نشأتها في مؤتمر القمة العربي وبدعم الرئيس العربي الكبير جمال عبد الناصر كانت من أجل تجسيد الهوية الوطنية للفلسطينيين، تلك الهوية التي بددتها النكبة واستغلها ملوك الأردن الهاشميين لضم الضفة الغربية لشرق النهر ومنح الفلسطينيين الجنسية الأردنية والجواز الاردني بخلاف كل الدول العربية التي لجأ إليها الفلسطينيون حيث منحتهم وثيقة للاجئين الفلسطينيين تحفظ لهم هويتهم وفي نفس الوقت تؤمن لهم العيش بحدوده الدنيا فوق أراضيها وفي عقيدتها أن الفلسطينيين عائدون لبلادهم طال الزمن أو قصر. بعد هذا يمكن القول إن كانت المنظمة اليوم وغداً تمثل الشعب الفلسطيني أو لا تمثله، وحتى نفهم الحكاية لابد من العودة للتاريخ وهو لم يتقادم بل ما زال حياً حتى ببعض شخوصه ورموزه وبالتالي نتذكر بوضوح كيف ان فصائل المقاومة نجحت في دخول المنظمة والاستيلاء على مقدراتها بمساندة الزعيم العربي جمال عبد الناصر عام 1968وكيف تولى الراحل عرفات رئاسة لجنتها التنفيذية بعد السيد حمودة الذي خلف القائد الفلسطيني احمد الشقيري أول رئيس للمنظمة وأهم مؤسسيها على الإطلاق. إذن بات الثوار يعترفون بالمنظمة بعدما كان قسماً منهم لا يراها سوى كيان خلقته الأنظمة العربية للمساومة على حق الفلسطينيين في وطنهم أو للتساوق مع المشاريع الغربية لحل المسالة الفلسطينية وإراحة الكيان الصهيوني من ذلك. لقد اعتبر شعبنا الفلسطيني انجاز منظمة التحرير الفلسطينية عملاً كبيراً وهاماً باعتبارها تمثل الهوية والكيانية الفلسطينية في مواجهة ما يخطط ويرسم له ولمستقبل بلده التي هجر منها قسراً. وناضل الشعب الفلسطيني والمقاومة وقدم التضحيات والدماء من أجل تثبيت الهوية الوطنية وعمل بلا كلل من اجل الاعتراف العربي والدولي بهذا الكيان ممثلاً شرعياً وحيداً لشعبنا كي لا يقوم أي طرف آخر بتمثيلنا والمساومة على حقوقنا ولتبقى قضيتنا بأيدينا لا تتنازعنا أهواء الانتماءات الفكرية والعقائدية ويبقى لنا جامع وقيادة واحدة. وهكذا بدا الأمر والانتصار العظيم عام 1974 وفي مؤتمر القمة العربية بالرباط حين وافقت القمة على اعتبار المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وتوجه بعدها عرفات للأمم المتحدة ليلقي كلمته الشهيرة التي قال فيها: لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي. المشكلة أن هذا الغصن سقط وسقطت معه كل برامجنا وتساوقنا مع واقع دولي مستجد ليس فيه الاتحاد السوفييتي وبتنا مشردين حتى كمقاومة في أصقاع الأرض ومن هنا بدأ التشكيك في وحدانية التمثيل، لكن الحدث الأبرز الذي أدى لمثل هذا التشكيك هو ظهور حركة حماس الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين وتبنيها الكفاح المسلح وحملها راية أسقطتها قيادة المنظمة الرسمية والمتنفذة في أوسلو باعترافها بالكيان الصهيوني على 80 بالمئة من فلسطيننا وشجبها للكفاح المسلح وتغييرها للميثاق الوطني الفلسطيني، ثم ما لبثت حماس نفسها أن التحقت بالهدف المرحلي الذي وقعت القيادة الفلسطينية على أوسلو من خلفيته والإقرار به. هذا الملمح التاريخي حول نشوء المنظمة واللجنة التنفيذية قصدنا به تعريف الذين يسألون عن أسباب تمثيلها للشعب الفلسطيني والثمن الذي دفعناه من أجل هذا. إن الحديث عن أخطاء وتنازلات مجانية وقيادة متنفذة وغير أمينة على برنامج الإجماع الوطني لا يمس مطلقاً وحدانية التمثيل ويجب أن لا يمسها من حيث المبدأ فتلك مسألة عليها إجماع الشارع والفصائل بما فيها حماس، وحين تجرأ السيد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس على التلويح ببديل للمنظمة قامت الدنيا ولم تقعد واضطر لسحب كلامه والتراجع عن ذلك. ليس لشعب قدم الاف الشهداء ونصفه مشرد أن يضحي بكيانه الوطني وممثله الشرعي من اجل رضا هذا الغاضب أو ذاك من سياسات لا نقبلها أو نقرها لهذا القائد أو ذاك حتى لو كان رئيس المنظمة نفسه والذي لم نتفق معه يوماً في سياسته المساومة مع العدو سواء كان ذلك في زمن الراحل عرفات أو زمن الرئيس عباس الذي نختلف معه جذرياً في رؤيته للصراع ومآلاته وطرق حله. إن المحافظة على تمثيل المنظمة لشعبنا سيبقى الانجاز الأهم لشعبنا وسيرى الذين لا يفهمون اليوم ذلك كيف سيكون هذا التمثيل الحافظ والحامي لحقوق شعبنا مستقبلاً بعكس ما يقوله هؤلاء إن حمل الشعلة كما فعلها في المرة الأولى المناضل الكبير أحمد الشقيري تحتاج لرجال شجعان ومؤمنين بحق شعبهم بلا مواربة في كل وطنه وهؤلاء سيحتاجون للمنظمة والتمثيل ليقولوا للعالم بخلاف ما يقوله المتنفذون هذه الأيام. ومرة أخرى حسناً فعلت إيران بعدم دعوة هنية لمؤتمر قمة عدم الانحياز، وكذلك فعل هنية برفض الدعوة. Zead51@hotmail.com