خطاب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في الكونغرس الامريكي اليوم سيكون الحدث التأسيسي في ولايته الحالية، إن لم يكن في كل حياته السياسية. مضمون الخطاب وردود الفعل التي سيتلقاها نتنياهو في أعقابه ستُملي كيف ستبدو قيادته من الآن فصاعدا. في بيان نشره مكتبه قبل كلمته في تلة الكابيتول، وُعدنا بأن "تثير تصريحات نتنياهو اهتماما عالميا كبيرا"، كتلميح للمفاجأة التي تكمن في النص. الخطاب في الكونغرس، والذي يرمي الى صد الضغط الدولي على اسرائيل، يمنح نتنياهو فرصة نادرة لاعادة اطلاق زعامته. فقبل بضعة اشهر فقط اتخذ نتنياهو صورة السياسي عديم الاتجاه، الذي يقضي الزمن في كرسيه حتى ورطة ما تؤدي الى تقديم موعد الانتخابات. والآن بات نتنياهو ذا صلة مرة اخرى. ينتظر الناس ما ستنبس به شفتاه، وكأن في قدرته أن يغير الواقع بقوة كلماته. نتنياهو استغل الفرصة وكسر بقوة الى اليمين، كي يرص خلفه صفوف الائتلاف ويدحر الى الزاوية زعيمة المعارضة تسيبي لفني. وبدلا من ان يمتدح الخطاب الشرق اوسطي للرئيس الامريكي براك اوباما يوم الخميس الماضي هاجمه نتنياهو. المناورة نجحت، حاليا على الاقل. وزير الخارجية افيغدور ليبرمان ووزير الدفاع اليهود باراك يصطفان في خيمة رئيس الوزراء. اما لفني فأصدرت ردود فعل ارشيفية، غامضة، ولم تتجرأ على أن تقول الجملة الناقصة البسيطة والواضحة: "قل نعم لاوباما". يبدو أنها فهمت ان الجمهور في اسرائيل يفضل بيبي على اوباما وخافت من أن تبدو يسارية متطرفة. في محادثاته وفي خطاباته في واشنطن، يواصل نتنياهو الخط الحازم الذي عرضه في الكنيست الاسبوع الماضي. وعلى حد نهجه، يسعى الفلسطينيون الى ابادة اسرائيل، لا يقبلون حقها في الوجود ويخططون لاغراقها بملايين اللاجئين. مؤيدو اسرائيل، واوباما على رأسهم، يقصدون الخير ولكنهم ليسوا على ما يكفي من اليقظة على المخاطر. ملزمون بالوقوف في البوابة كي لا ينزلق الخطاب السياسي الى حماس وعودة اللاجئين الى اسرائيل. نتنياهو يؤمن بان لا معنى لاقتراح تنازلات لفظية، مثل الموافقة على خطوط 67، وذلك لان الفلسطينيين لن يعرضوا حيالها سوى مطالب جديدة. لا توجد كلمات سحرية اذا ما قالها، السلام سيندلع. وعليه فيجب تحديد خط في الرمال والقول "حتى هنا". نتنياهو يؤمن بان موقفه الحازم في اللقاء مع اوباما، يوم الجمعة، أدى الى تلطيف حدة موقف الرئيس. خطاب اوباما في مؤتمر "ايباك" أول أمس كان أكثر راحة لنتنياهو، الذي على أي حال بحث عن السبل لتلطيف حدة الشقاق مع البيت الابيض. وطلبت المنظمات اليهودية من اوباما تعديل ثلاث نقاط في أقواله: الايضاح بانه لا حديث مع حماس الى أن تعترف باسرائيل، وايضاح موقفه من "خطوط 67 مع تعديلات حدودية متفق عليها" ورفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وقد استجاب للطلبين الاولين، ولكنه تجاهل اللاجئين. الان حان دور نتنياهو ليخفف الحدة. وبدلا من أن يعرض فقط لاءات مثلما فعل حتى الان، سيحاول تغليف خطابه في الكنيست بغلاف يستقبل على نحو افضل في امريكا وفي اوروبا. استراتيجيته كانت من قبل ضمان تأييد الداخل وبعدها جلب الامريكيين الى جانبه. الايام التي سبقت الخطاب ملأها نتنياهو بالعلاقات العامة: سير لياقة مصور مع عقيلته سارة في الحديقة، وهما يرتديان ملابس التدريب؛ صورة مع مستشاريه وهم مجتمعون حول الطاولة (مثل اوباما والمستشارين يوم تصفية اسامة بن لادن)؛ وبيانات متكررة عن تضييق الخلافات مع الادارة. في بيان للصحافة يوم أمس تباهى نتنياهو بان زعماء دوليين قلائل فقط نالوا الظهور امام مجلسي الكونغرس. واشار الى نلسون مانديلا، وينستون تشرتشل، اسحق رابين وهو نفسه (في بداية ولايته الاولى في 1996). ايهود اولمرت فقط الذي خطب هنا قبل خمس سنوات عن "الانطواء" نسي نتنياهو ذكره. تشرتشل جاء الى تلة الكابيتول في نهاية 1941، فور دخول امريكا الى الحرب العالمية الثانية إثر الهجوم على بيرل هاربر. ومثل بريطانيا التي نجت بصعوبة من الهزيمة، وتعرضت مدنها الى قصف كثيف، وجاء ليطلب دعم الامة الامريكية. في سيرته الذاتية الحديثة "حرب وينستون" بقلم ماكس هيستنجاز، قرأه نتنياهو مؤخرا، يروى أن تشرتشل تصبب عرقا وبعد أن نزل عن المنصة اصيب بنوبة قلبية. ولكن في مقطع من الخطاب الذي يظهر في اليو تيوب بدا تشرتشل في قمته. ليس كزعماء اسرائيل، متجهمي الوجوه دوما ويتحدثون عن المعاناة اليهودية، مزح تشرتشل مع أعضاء الكونغرس في الوقت الذي كانت لندن في خرائبها. لو كان أبي أمريكيا وأمي بريطانية، وليس العكس لكان بوسعي أن أكون هنا (كواحد منكم)، قال وأثار ضحك الجمهور. نوصي نتنياهو ان يشاهد هذا الفيديو قبل أن يصعد الى المنصة اليوم. تشرتشل والرئيس الامريكي فرانكلين روزفيلت لم يطيقا الواحد الاخر، وكان بينهما خلاف شديد حول الاستعمار. روزفيلت أراد استقلالا للهند وتشرتشل آمن بالامبراطورية واستخف بـ "الحافي" المهاتما غاندي. هذا لم يمنعهما من التعاون في الحرب ضد هتلر. هذا أيضا هو النموذج الذي يسعى اليه نتنياهو: التعاون الاستراتيجي مع امريكا على خلفية الثورات في الشرق الاوسط، رغم النفور المتبادل بينه وبين اوباما، والخلاف الشديد بينهما حول الاحتلال والمستوطنات، التي في نظر اوباما تمثل الرواية الاسرائيلية للاستعمار الاوروبي. في الجولة السابقة انتهى الحال بالانتصار على هتلر وتفكيك الامبراطورية البريطانية. الخطاب اليوم سيبدأ الطريق المشتركة لاوباما ونتنياهو – للفهم او للصدام عديم الصلاح.