يكاد كل يوم يُجلِس الرئيس الامريكي زعيما اجنبيا أو شهيرا محليا في الغرفة البيضوية، على خلفية الأخ، كرسي الى جانب كرسي، فيما أن الرجلين بشوشي الوجه للكاميرات المنصوبة أمامهما، من خلف الأريكة الصفراء. الرئيس يتحدث مثنيا على الضيف؛ الضيف يتحدث مثنيا على الرئيس. الصحفيون مدعوون لطرح اربعة اسئلة، سؤالان من كل جهة، يتصافحان بحرارة، يبتسمان، ويُلقيان بالصحفيين الى الخارج ويتوجهان الى العمل. ليس هكذا سارت الامور في الغرفة البيضوية يوم الجمعة. نحو ساعة وقف الصحفيون في الخارج، بجانب مدخل الغرفة. خروج غير مقبول عن الجدول الزمني، وافترض المراسلون بأن الخروج هو مؤامرة من أحد ما في البيت الابيض ضليع في عادات المشاهدة في اسرائيل. نتنياهو أراد أن يبث للأمة في نشرات الثامنة مساء؟ سيبث لهم الكثير بعد وقت البث. عندما دخلنا الى المكتب المعروف جدا وجدنا رجلين مكفهري الوجه، جلسا على كرسييهما دون حراك كالتماثيل. أحد منهما لم يوجه نظرة الى الصحفيين أو الواحد الى الآخر. اوباما بدأ، كالمعتاد، ونتنياهو، بقرار مصمم، وجه نظرة لاذعة الى وجهه، كأنه وجد شيئا منسيا على خد اوباما، وهو ينتظر فقط الفرصة ليمنحه صفعة تحرره من ذاك الشيء. عندما حان دور نتنياهو للحديث وضع اوباما يده اليمنى على خده، وكأنه يحتاج الى مساعدة من يده كي يحمل كل ما سيسمعه. وكلما أطال نتنياهو احتاج اوباما على يده أكثر فأكثر. وفي النهاية أمسكت اليد بكل الخد. اوباما القى محاضرة شرح فيها مذهبه. هذا ما يفعله بشكل عام: اوباما هو رجل مونولوغ. فيه الكثير من المعلم الذي حتى عندما يتحدث مع شخص واحد، يتصرف وكأنه يقف أمام صف كامل. نتنياهو تحدث كواعظ. جيفر غولبرغ، صحفي يهودي مقدر، هاجم بالبث التلفزيوني نتنياهو على اسلوبه الوعظي الذي يتجرأ به في الحديث الى الرئيس الامريكي. "نتنياهو ليس معلما والرئيس الامريكي ليس تلميذه"، وبخ غولدبرغ. اما الحقيقة فهي أن الرجلين تبنيا اسلوبا مشابها. كانت هذه لعبة، لعبة مقصودة. التوتر بين الرجلين كان حقيقيا، ولكن اوباما ونتنياهو على حد سواء يعرفان كيف يدهنا العسل على التوتر عندما كان هذا مهما لهما. هنا كانت لهما مصلحة في الكشف عن التوتر. عندما انطفأت الكاميرات أطلق اوباما ابتسامة صغيرة نحو نتنياهو. ليست ابتسامة شريك السر، وبالتأكيد ليست ابتسامة صديق. الابتسامة قالت، اجتزنا هذا. هيا نتوجه الى وجبة الغداء. وجبة الغداء الاقصر التي تلقاها زعيم اجنبي في السنوات الاخيرة في البيت الابيض. في المخطط كانت وجبة كبيرة، كالمعتاد، بمشاركة طواقم من المسؤولين الكبار من الطرفين. في النهاية توجه الزعيمان على حده، فيما تلقى الاسرائيليون وجبة عاجلة وباعتذار: الرئيس يحتاج الى الخروج. اوباما طوق نفسه بخطاب القاه قبل يوم من ذلك في وزارة الخارجية. ما كان يمكنه – لو قصد ذلك – أن يتراجع. ولهذا السبب، ففضلا عن كلمات المجاملة العادية، شدد على أنه في الموضوع الفلسطيني توجد بينه وبين نتنياهو خلافات في الرأي. وعندما أنهى دوره تصافح الرجلان. هذا هو البروتوكول. لم يتبادلا النظر.نتنياهو، فضلا عن أقوال الشكر العادية، هجم جبهويا على قول اوباما بان الحدود بين اسرائيل وفلسطين ستقوم على اساس خطوط 67. اوباما، الذي هز رأسه هزة خفيفة طالما تحدث نتنياهو عن التوافقات، كف عن هزه. فقد قال نتنياهو "تذكروا بانه قبل 67 كان عرض اسرائيل تسعة أميال (14كيلو متر). لا يمكننا أن نعود الى خطوط ليست قابلة للدفاع. اسرائيل لا يمكنها التفاوض مع حكومة مدعومة من حماس. لعباس (ابو مازن) يوجد خيار بسيط: إما أن يصنع السلام مع حماس أو مع اسرائيل".نتنياهو، خلافا لاوباما، أكثر من استخدام كفي يديه. حقنة الاقناع الذي لم ينجح في تحقيقها بفمه حاول ان يحققها بيديه. وقد هاجم مطلب حق العودة وقال: "في 1948 كانت مشكلة لاجئين فلسطينيين ومشكلة لاجئين يهود. اعادة اللاجئين الى اسرائيل بعد 63 سنة ستصفي اسرائيل كدولة يهودية. هذا لن يحصل". عندما أنهى نتنياهو تصافح الرجلان مرة اخرى، وهذا أيضا وفقا للبروتوكول. اوباما ونتنياهو وجها نظرات بشعة، كل واحد بمفرده، الى الصحفيين. وطلب الصحفيون طرح أسئلة كما هو دارج. ليست هذه المرة، "لا أسئلة"، أعلن أحد مساعدي الرئيس، والقصة انتهت.بعد وقت قصير من ذلك بدأ الطرفان يوجهان وسائل الاعلام الى طبيعة الخلاف التي تتلاءم واجندتهما، كل حسب أجندته. "قررت أن أقول الحقيقة، في الداخل وفي الخارج"، قال نتنياهو في "بلير هاوس". "اعتقد أن لهذا قيمة كبرى". لقد حاول أن يغلف اللقاء برزمتين مختلفتين. أن يقرر من جهة بانه يقاتل حرب الوجود لاسرائيل بشجاعة، ولا يخشى حتى الدخول في مواجهة عسيرة مع الرئيس الامريكي. من جهة اخرى أن يقرر بانه هو والرئيس ليسا مختلفين جدا. بالنسبة لحماس، مثلا، أقنع اوباما بعدالة الموقف الاسرائيلي (اوباما رد بقلق على المصالحة التي تلوح في الافق بين فتح وحماس، ولكن خلافا لاسرائيل فانه يطرح أسئلة على ابو مازن، وليس انذارا). في نظر نتنياهو، لا تضارب بين الرزمتين. فقد قال ان "اللقاء كان مفتوحا بالمعنى الايجابي للكلمة، نعم وديا". في اللغة الدبلوماسية، الصدق هو بشكل عام معاكس للود. ولكن نتنياهو تمسك بتفسيره. دون أن يهاجم اوباما شخصيا، وصف قرار اوباما الحديث عن حدود 67 كقرار هدام، يمس ليس فقط باسرائيل، بل وأيضا، وبالاساس، يجعل احتمالات المسيرة السلمية تعلق لسنوات طويلة. "تصريحات اوباما تثبت التوقع من أن تفكك اسرائيل الحائط الغربي (المبكى)، تنصرف من رموت، غيلو، معاليه ادوميم. لا يمكن لاي حكومة في اسرائيل أن توافق على هذا".وقد ذكر في هذا السياق قرار 194 للامم المتحدة، الذي دعا الى اعادة اللاجئين الفلسطينيين. بسبب القرار اياه هناك في العالم العربي توقعا لتحقيق حق العودة، توقعا يطعن فقط بالمسيرة السلمية. نتنياهو سُئل اذا لم يكن هو يدس رأسه في الرمل. العالم يفترض منذ سنين، وبالتأكيد منذ اتفاقيات السلام مع مصر والاردن بان الاتفاق سيقوم بالتأكيد على أساس حدود 67. فماذا تغير؟ نتنياهو اعترف ان هذا ما قاله له الامريكيون. فعمليا قالوا له، ماذا يجعلك تقفز؟ "هناك فارق بين فرضية مقبولة وبين قول رسمي للرئيس الامريكي"، أجاب نتنياهو. نتنياهو سُئل عن قرار لجنة البناء في القدس لاقرار بناء 1.500 شقة في شرقي القدس، معظمها في هار حوما. فأجاب نتنياهو انه في الماضي أمر بتأجيل القرارات. اما هذه المرة على أي حال بسبب قضية الخطاب – فقرر الا يتدخل. نتنياهو سُئل أيضا اذا كان في أعقاب حديثه مع هيلاري كلينتون يوم الخميس، قبل وقت قصير من خطاب الرئيس، ادخلت تعديلات في الخطاب، في صالح اسرائيل أو في طالحها، فأجاب: "في طالحها، بالتأكيد لا. ادخلت بضع تعديلات". موظفون في وزارة الخارجية أكدوا على مسامعنا بانه ادخلت تعديلات ولكنها كانت طفيفة تماما. فور مغادرة قافلة نتنياهو البيت الابيض الى البيت المقابل بدأ موظفو الادارة يزرعون روايتهم في وسائل الاعلام. التعليمات جاءت من فوق. من هيلاري كلينتون وربما من الرئيس نفسه. نتنياهو عُرض – على مسامعنا ايضا – كمن يدس رأسه في الرمال. الشرق الاوسط يجتاز تغييرات ثورية، وهو لا يعنى الا بائتلافه. ما يقف خلف انتقاده لاوباما، ليس أمن اسرائيل بل اعتبارات سياسية داخلية. ادعاء الادارة هو أن ذكر خطوط 67 هو تغيير ضروري، ولكنه ليس دراماتيكيا. فادارات سابقة سعت الى ذات الشيء، حتى وان كانت كلماتها مختلفة على مستوى الظلال. رئيس وزراء اسرائيل باراك طلب من الرئيس كلينتون في العام 2000 ان يقترح خطة للانسحاب، عمليا، الى خطوط 67. ايهود اولمرت اقترح خطة أكثر سخاء من ذلك على ابو مازن. الادارة تتهم نتنياهو بانه عظم عن قصد التشديد على 67 كي يخلق اجماعا في اسرائيل يؤيد سياسته. ومع ذلك، فلماذا، اذا كان التغيير ليس دراماتيكيا، رفضت الادارة استجداء اسحق مولكو، مبعوث نتنياهو واستجداء نتنياهو نفسه، شطب هذه الكلمات من الخطاب؟لان الادارة تتمسك بهذه الكلمات في محاولة يائسة منها لمنع قرار في الجمعية العمومية للامم المتحدة في ايلول. الفكرة الاساس تقول ان ذكر 1967 كأساس للتسوية سيجد اذنا صاغية لدى زعماء دول غربي اوروبا، بحيث يقنع رؤساء الجامعة العربية بتأجيل خطتهم لرفع اقتراح الى الامم المتحدة في أيلول. اوباما يعمل هنا، على حد روايتهم، من أجل اسرائيل، وليس ضدها. وجه لها خبطة طفيفة كي يمنع ضربة أخطر بكثير في ايلول. ليس للادارة آلية لاستئناف المفاوضات. ليس لها في هذه اللحظة ايضا اناس يرفعون المهمة. دافيد هيل، نائب ميتشيل، عين بعد استقالة المبعوث عمليا. ووافق على أن يؤجل مشاريع اعتزاله ولكن في واشنطن مقتنعون بان ليس هو الحل. أمل الادارة هو أنه اذا اجتازوا ايلول بسلام، سيوافق ابو مازن على العودة الى طاولة المباحثات دون تجميد البناء في المستوطنات. فضلا عن الادعاءات السياسية، تهب ريح احتقار في قيادة الادارة تجاه نتنياهو وتجاه الدول الذي تؤديه اسرائيل الان. فهم لا يصدقونه. هيلاري كلينتون، التي تعتبر "الراشد المسؤول" في الادارة الحالية وتقيم اتصالا مع زعماء في العالم هجرهم اوباما، متحفظة من نتنياهو بقدر لا يقل، وربما أكثر من اوباما. فهي مقتنعة بان نتنياهو ناكر للجميل: يأخذ كل الخدمات التي تقدمها الولايات المتحدة لاسرائيل، بالمال، بالدعم السياسي، بالدعم العسكري، وكأنها أمور مسلم بها. الوحيد في قيادة الادارة الذي يبدي تفهما لمواقف نتنياهو ويوصي بمراعاتها، هو دنيس روس، مساعد الرئيس لشؤون الشرق الاوسط وقديم فريق السلام الامريكي. على هذه الخلفية أصبح روس موضع كراهية من الدبلوماسيين العرب.الشرخ قائم. الازمة وصلت الى ذروتها. الان توجد لاوباما ونتنياهو فرصة لتخفيف حدة الانطباع – وليس المضمون. نتنياهو في خطاباته في مؤتمر ايباك وامام مجلسي الكونغرس. اوباما في خطابه في مؤتمر ايباك اليوم.