العملية التي وقعت على عائلة بوغل في ايتمار كانت مذبحة في التخطيط لها وبتنفيذها. يُسمي الامريكيون قتل المدنيين الخمسة في صدام بين جنود بريطانيين ومتظاهرين في بوسطن في آذار 1970، "مذبحة بوسطن". لم يكن أحد من القتلى الخمسة اولئك صغيرا أو طفلا أو مولودا في مهده. إن الميل الثابت لبنيامين نتنياهو في هذه الأحداث هو الى استعمال رد بالقوة الى درجة تجاهل السياق السياسي. بحسب توجهه التبسيطي الذي يُرَّجي أن يكفه آخرون (كما في أحداث الواقعة على حدود لبنان في آب من العام الماضي)، يجب دائما الرد سريعا وبقوة. الاغراء بفعل ذلك اليوم كبير من جهة عاطفية لانه يوم جنازة أبناء عائلة بوغل ويوم ميلاد أخيه يوني نتنياهو قبل 65 سنة الذي قُتل في محاربة الارهاب. لكن لأي عنوان ولأي هدف؛ وماذا سيحدث عندما يزول الرضى الآني عن معاقبة القتلة. كما هي الحال قبل دقيقة من المذبحة فان نتنياهو سيحتاج بعدها بيوم واسبوع وشهر الى تسليم جواب اسرائيل عن السؤال الأساسي وهو الى أين تتجه المسيرة السياسية. لن يستطيع، وإن لم يقل بعد أين ومتى وكيف وبأية قوة، النكوص عن الاستعداد المبدئي الذي عبّر عنه لاقامة دولة فلسطينية، وذلك بطبيعة الامر بشرط ان يكون فاهما معنى تصريحاته. أعلن نتنياهو في احدى خطبه في الكنيست عن مسؤولية الفلسطينيين عن الجمود السياسي بأنه قد اجتاز الروبيكون، ودعا محمود عباس الى أن يفعل مثله. إن روني بار اون، وهو حاد اللسان ولوذعي على نحو خاص في مواجهة نتنياهو، تحدّاه مقاطعا كلامه قائلا: اذا اجتاز أبو مازن ايضا الروبيكون لكن في اتجاه عكسي، ستنجح مرة اخرى في التهرب من لقائه. لا يستطيع نتنياهو أن يفصم العلاقة بين قضايا الحراسة (حول ايتمار مثلا)، والأمن (لدولة اسرائيل في حدود متفق عليها) والسلام. لا تستطيع المستوطنات حماية نفسها، ولن نتحدث عن اسرائيل. انها تُسهم فقط في تخليد العداء الذي لن يزول ألبتة حتى من غيرها، لكن سيكون من الممكن احتواؤها بجهود مشتركة. تم البرهان في ايتمار مرة اخرى على ان المعلومات الاستخبارية الناجعة لرئيس المنطقة في "الشباك"، ر.، والضباط ذوي أكبر خبرة (قائد الفرقة نيتسان ألون من دورية هيئة القيادة العامة وقائد لواء السامرة نمرود ألوني الذي كان في الماضي قائد دورية المظليين و"مغلين") غير قادرين على احراز احباط للعمليات بنسبة مائة في المائة. إن ألون وألوني يأتيان ويذهبان، وألون موريه وايتمار ومئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية الاخرى تظل ناشبة كالعظم في حناجر الفلسطينيين. الطريق الوحيد لاحراز الأمن والسلام هو إبعاد المستوطنات - كلها حتى "الكتل الاستيطانية" – وحتى ذلك الحين وبعد ان تنشأ دولة وراء الحدود، تنبغي الاستعانة باجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تعمل بتوجيه من عباس ورئيس حكومته سلام فياض. إن كبر الباعث للقيادة الفلسطينية على الحرص على هذا التوجيه مشروط بالأفق السياسي الذي سيعرض على شعبها. إن شرك نتنياهو يتجاوز مسألة العجز الذي أُبرز في مذبحة ايتمار. إن نتنياهو محتاج ايضا الى انجازات سياسية أو اعلامية مثل اطلاق جلعاد شليط. قبل نحو من اسبوع قال للصحفيين ان الخلاف مع حماس في المساومة على شروط اعادة شليط تضاءل الى سؤال الى أين سيُطلق المخربون الكبار. بحسب هذه الرواية لم يعد يوجد جدل كمي في عدد السجناء الذين سيتم الافراج عنهم ولا نوعي، في الأسماء التي ستشتمل عليها القائمة، بل جغرافي فقط. فاسرائيل تطلب اجلاء المُفرج عنهم بعيدا عن بيوتهم في الضفة لئلا يعودوا هناك الى تنظيم الارهاب الموجه عليها ولئلا يقودوا انتفاضة على عباس وفياض. ويُصرون في حماس على ان يعودوا الى بيوتهم فقط. يحتاج نتنياهو من اجل احراز تأييد من الحكومة ومن الجمهور بعد ذلك لصفقة اعادة شليط الى اعلان من "الشباك" لانه لا يرى مخاطرة شديدة في اعادة نشطاء ارهاب مركزيين الى الضفة. رفض يوفال ديسكن حتى الآن منحه ترخيصا كهذا للصفقة. في لقاءاته مع المرشحين لرئاسة "الشباك"، وهي منصب سيخلو بعد شهرين ويومين، كان نتنياهو فرحا بيقين لانه تلقى رمزا الى هذا الاستعداد. لكن يجب تأميل ألا يُدفع رئيس "الشباك" التالي بحماقة الى أن يكذب على نفسه المهنية ويؤيد قرارا قد يُحدث عن جانبي الخط الاخضر عددا من العمليات على شاكلة مذبحة ايتمار.