تراجع العلمانية في إسرائيل: لماذا تتخلى أحزاب الوسط واليسار عن إحدى معاركها التاريخية؟ مصطفى إبراهيم

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 11:19 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تراجع العلمانية في إسرائيل: لماذا تتخلى أحزاب الوسط واليسار عن إحدى معاركها التاريخية؟ مصطفى إبراهيم



تكشف الدعاية الانتخابية لحركة شاس، التي تحذّر من قيام "دولة جميع الأغيار" عن جانب من الصراع الدائر داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن هوية دولة الاحتلال وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة. لكن المسألة الأهم، كما يطرحها بعض المحللين، ليست في مضمون هذه الدعاية وحده، بل في غياب رد سياسي واضح من أحزاب الوسط وما تبقى من اليسار الصهيوني، التي كانت العلمانية في مراحل سابقة جزءاً أساسياً من هويتها وبرامجها الانتخابية.

فالمقارنة بين حملات ميرتس بقيادة شولاميت ألوني في تسعينيات القرن الماضي، وحزب "شينوي" بقيادة يوسف تومي لابيد في مطلع الألفية، وخطاب أحزاب الوسط واليسار الصهيوني اليوم، تشير إلى تحول يستحق التوقف عنده. ففي السابق، كانت قضايا الإكراه الديني، والمواصلات العامة أيام السبت، والزواج المدني، والتعليم، والإعفاءات الممنوحة للحريديم، تُطرح باعتبارها قضايا سياسية واجتماعية مركزية. أما اليوم، فيبدو أن هذه القضايا تراجعت إلى مرتبة ثانوية، على الرغم من استمرار الخلافات بشأنها واتساع نفوذ الأحزاب الدينية في المؤسسات العامة.

في انتخابات عام 1992، رفعت ميرتس شعار الفصل بين الدين والدولة، وقدّمت نفسها بوصفها قوة سياسية تدافع عن الحريات الفردية وعن حق الإسرائيليين العلمانيين في اختيار نمط حياتهم بعيداً عن تدخل المؤسسات الدينية. وفي انتخابات عامي 1999 و2003، نجح حزب "شينوي" في استثمار الاعتراض على الإكراه الديني، وطرح نفسه بديلاً علمانياً لحركة شاس، مستفيداً من الخلافات بشأن تمويل المعاهد الدينية، والإعفاء من الخدمة العسكرية، والمساواة في تحمّل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.

لكن هذه التجارب تطرح سؤالاً عن أسباب تراجع هذا الخطاب اليوم. هل تغيّرت أولويات الناخب الإسرائيلي؟ أم أن أحزاب الوسط واليسار باتت أكثر حذراً في طرح القضايا التي قد تثير مواجهة مع الأحزاب الدينية؟ أم أن الحروب العدوانية المتعاقبة، وصعود الخطاب القومي والأمني، والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، أعادت ترتيب القضايا التي تتنافس الأحزاب على أساسها؟

تقدّم مقاطع شاس الدعائية العلمانية والتعددية الثقافية باعتبارهما تهديداً للطابع اليهودي للدولة. وتقوم رسالتها الأساسية على ثنائية حادة: إما دولة يهودية، وإما دولة تفقد هويتها وتصبح "كدول جميع الأغيار"، ولا يقتصر الأمر هنا على الدفاع عن الممارسات الدينية أو التقاليد اليهودية، بل يتعلق بتوظيف الهوية الدينية في المنافسة السياسية، وتصوير الخصوم باعتبارهم خطراً على هوية الدولة.

ومن هذه الزاوية، يصبح غياب الرد الواضح من أحزاب الوسط واليسار مسألة سياسية، لأنه يترك المجال مفتوحاً أمام الأحزاب الدينية لتحديد إطار النقاش وشروطه، من دون أن تواجهها المعارضة بمشروع واضح بشأن العلاقة بين الدين والدولة، والحريات الفردية، والمساواة في الحقوق والواجبات.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الدعاية الانتخابية ومواقف المجتمع الإسرائيلي بمختلف فئاته. فالمقاطع التي تنتجها شاس لا تثبت وحدها أن المجتمع الإسرائيلي يتجه بكامله نحو مزيد من التدين، لكنها تكشف عن الطريقة التي تحاول بها الحركة تعبئة جمهورها واستثمار المخاوف المرتبطة بالهوية اليهودية. وفي المقابل، لا يمكن فهم تراجع الخطاب العلماني من دون النظر إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي عززت موقع اليمين الديني القومي، وعمّقت تحالفه مع الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو.

فهذا التحالف لم يعد مجرد تفاهم انتخابي بين أحزاب تختلف في مرجعياتها، بل أصبح شراكة سياسية ممتدة في تشكيل الحكومات وإدارة الدولة. وقد اعتمد نتنياهو، طوال سنوات حكمه، على الأحزاب الحريدية بوصفها شريكاً أساسياً في ائتلافاته، فيما اتجه الليكود نحو مزيد من التقارب مع الخطاب الديني والقومي. ويظهر هذا التقارب في الخطاب السياسي لنتنياهو وفي طبيعة التحالفات التي أقامها، وإن كان تحديد مدى التحول في مواقف الليكود وبرامجه يحتاج إلى فحص مواقفه وسياساته في مراحل مختلفة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتدين وحده، بل بالتداخل بين الدين والقومية والسياسة، وبكيفية توظيف هذا التداخل في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة. فصعود اليمين الديني القومي منح الأحزاب الدينية موقعاً مؤثراً في تحديد أولويات الحكومة وسياساتها، بينما تراجعت قدرة أحزاب الوسط واليسار على جعل قضايا العلمانية والحريات الشخصية والمساواة في تحمّل الأعباء محوراً مستقلاً للمنافسة السياسية.

وهنا تبرز مسألة معسكر التغيير، الذي تشكّل في سياق الاحتجاجات الواسعة على ما سمّته حكومة نتنياهو "الإصلاح القضائي"، فقد جمع هذا المعسكر قوى سياسية واجتماعية متباينة في مواقفها، لكنها التقت على معارضة خطة الحكومة لإضعاف القيود القضائية على السلطة التنفيذية. غير أن هذا الالتقاء لا يعني بالضرورة وجود مشروع مشترك لإعادة النظر في مجمل التحولات التي شهدتها الدولة خلال سنوات حكم نتنياهو واليمين.

والسؤال هنا: هل تشكّل معسكر التغيير بهدف تغيير ما أحدثته حكومات نتنياهو واليمين في طبيعة الدولة ومؤسساتها، أم أن هدفه الأساسي هو تغيير نتنياهو وحكومته؟

الواقع أن التباينات داخل هذا المعسكر تثير تساؤلات جدية بشأن حدود مشروعه السياسي. فالاعتراض على التعديلات القضائية لا يعني بالضرورة الاتفاق على مشروع أوسع لاستعادة استقلال المؤسسات، أو مراجعة السياسات التي عززت نفوذ اليمين في القضاء والأكاديمية والإعلام، أو مواجهة التحولات التي طاولت العلاقة بين الدين والدولة. كما أن الدفاع عن استقلال القضاء لا يعني بالضرورة تبنّي برنامج علماني متكامل، أو الالتزام بإحداث تغيير جوهري في السياسات التي رسّختها حكومات نتنياهو.

ومن هنا، يمكن القول إن معسكر التغيير يواجه سؤالاً يتجاوز هوية رئيس الحكومة المقبل: هل يريد تغيير نتنياهو مع الإبقاء على أجزاء أساسية من البنية السياسية والتحالفات التي اعتمد عليها، أم يسعى إلى مراجعة أوسع للمسار الذي اتخذته الدولة في ظل حكومات اليمين؟ لا يمكن حسم الإجابة من خلال الخطاب الانتخابي وحده، لكن مواقف الأحزاب وبرامجها بشأن القضاء والدين والدولة والحريات الفردية تشكّل مؤشرات أساسية لتحديد طبيعة هذا المشروع وحدوده.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء حضور أفيغدور ليبرمان وخطابه العلماني داخل معسكر اليمين. فليبرمان لا يطرح بديلاً عن اليمين من موقع اليسار، بل يجمع بين مواقف قومية وأمنية من جهة، ومطالب علمانية تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة من جهة أخرى. ويكشف ذلك أن الاعتراض على نفوذ الأحزاب الدينية لا يعني بالضرورة تبنّي مواقف الوسط واليسار في القضايا السياسية والأمنية، وأن المطالب العلمانية يمكن أن تجد جمهوراً خارج المعسكر الذي ارتبط بها تاريخياً.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين العلمانية باعتبارها موقفاً اجتماعياً من الدين، والعلمانية باعتبارها مشروعاً سياسياً متكاملاً. فقد يعارض الناخب الإعفاءات الممنوحة للحريديم أو تدخل المؤسسات الدينية في شؤون الحياة اليومية، من دون أن يصوّت لأحزاب الوسط واليسار. وقد يصوّت لحزب يميني يتبنّى مواقف علمانية في بعض القضايا، لكنه يتمسك بمواقف قومية وأمنية لا تختلف جوهرياً عن مواقف أحزاب اليمين الأخرى.

وبالتالي، فإن تراجع الخطاب العلماني لدى أحزاب الوسط واليسار لا يعني بالضرورة اختفاء المطالب العلمانية من المجتمع الإسرائيلي، بل قد يعكس أيضاً عجز هذه الأحزاب عن تحويل تلك المطالب إلى برنامج سياسي قادر على جمع شرائح اجتماعية مختلفة حول مشروع واضح. وقد يرتبط كذلك بتقديم القضايا الأمنية والسياسية على غيرها في ظل الحروب والصراعات المستمرة، أو بمحاولة تجنّب المواجهة مع الأحزاب الدينية خشية تأثيرها في فرص تشكيل الحكومة. وتظل هذه تفسيرات تحتاج إلى اختبار من خلال البرامج والمواقف واستطلاعات الرأي، لا إلى التعامل معها بوصفها أسباباً محسومة.

لا يكفي، إذاً، القول إن العلمانية تراجعت في إسرائيل استناداً إلى ضعف حضورها في الحملات الانتخابية وحده. فالمسألة تتعلق أيضاً بمدى استعداد أحزاب المعارضة لمواجهة التحولات التي عززت نفوذ اليمين الديني والقومي، وبقدرتها على تقديم بديل يتجاوز تغيير رئيس الحكومة إلى مناقشة طبيعة الدولة ومؤسساتها والحقوق التي تضمنها لمواطنيها.

وتعيد المقارنة التاريخية مع ميرتس وشينوي طرح سؤال أساسي: لماذا لم تعد أحزاب الوسط واليسار تتعامل مع الحرية الدينية والشخصية، والمساواة في تحمّل الأعباء، والعلاقة بين الدين والدولة، باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي واضح، كما فعلت في مراحل سابقة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بتراجع شعار انتخابي أو اختفاء قضية من برامج الأحزاب، بل بحدود المشروع الذي يقدّمه معسكر التغيير نفسه. فإذا كان هدفه يقتصر على تغيير نتنياهو، فقد تبقى التحولات التي أسهمت حكوماته وائتلافاته في ترسيخها خارج نطاق المراجعة. أما إذا كان يسعى إلى تغيير أوسع في طبيعة الحكم وسياسات الدولة، فإن ذلك يتطلب مواقف واضحة من نفوذ الأحزاب الدينية، واستقلال المؤسسات، والحريات الفردية، والمساواة في الحقوق والواجبات.