كشف نتنياهو، قبل أيام، عن محادثة هاتفية «قصيرة جداً وحاسمة للغاية» بينه وبين الرئيس السوري أحمد الشرع «أوقفت المذبحة»، كما قال. المقصود أعمال القتل والتنكيل الشنيعة التي ارتكبها أفراد من القوات الحكومية والعشائر البدوية ضد الدروز السوريين في السويداء في تموز من العام الماضي. ولنلاحظ الصلة الدلالية بين «القصير جداً» و»الحاسم للغاية» و»وقف المذبحة». ينطوي كلام نتنياهو، في سياق كهذا، على أكثر من رسالة مباشرة وضمنية: أنا الشرطي في بلاد الشام، أبسط حمايتي على جماعات أختارها، وأفعلُ هذا بمنطق الأمر والقوّة.
لم يكن هذا ليحدث لولا وجود ترامب في البيت الأبيض. فعلى الرغم من خصوصية العلاقة بين أميركا وإسرائيل على مدار عقود طويلة، إلا أن دوافعها الذاتية والموضوعية لم تثر شكوكاً جدية، في الولايات المتحدة وخارجها، كما حدث، ويحدث، في ولايته الأولى وما انقضى من الثانية.
سبق وتكلمنا عن تبدّل الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة كجانب من الشروط الموضوعية، التي أسهمت في خلق ديناميات خاصة وشديدة الصلة بعملية الوراثة والتوريث بين القوتين الإسرائيلية والأميركية في الشرق الأوسط. ولكن الشروط الذاتية، أي الدوافع الشخصية لترامب، وطريقة إدراكه وترجمته للديناميات المعنية، هي ما يكتنفه الغموض، ولا ينجو من نظريات المؤامرة. ولا نضيف جديداً، هنا، إذا تكلمنا عن تأويلات مختلفة وجدت في فضيحة إبستين الكثير من الزاد والعتاد.
على أي حال، تبدو السياسة الخارجية للولايات المتحدة في العهد الترامبي رهينة لأولويات الإسرائيليين في الشرق الأوسط، وفي القلب منها تدمير القوّة الإيرانية الصاعدة، وتكريس القوّة الإسرائيلية شُرطياً للأمن وحامية لحلف السلام الإبراهيمي، بوصفه خارطة الطريق الوحيدة للإدارة الترامبية في هذا الجزء من العالم. تشتغل الإدارة الترامبية على توسيع وتوطيد أركان السلام الإبراهيمي، وإقناع أطرافه السرية بالخروج إلى العلن.
ولا بأس، هنا، من استطراد قصير. فلا إمكانية، في الواقع، لإدراك القيمة الإستراتيجية لسلام إبراهيم بوصفه خارطة طريق للإدارة الترامبية بعيداً عن ديناميات الوراثة والتوريث. في سياق كهذا، فقط، نفهم، نفاد صبر نتنياهو، على نحو خاص، وإلحاحه على توسيع أركان الحلف، وإخراج أطرافه السرية إلى العلن. وهذا ما يضعه ترامب على رأس أولوياته في علاقات الود والابتزاز مع «حلفائه» العرب.
يعزو البعض نفاد الصبر إلى حاجات إسرائيلية داخلية كالانتخابات. وهذا ما لا ينبغي استبعاده، ولكنه أقل أهمية من حقيقة أن الخروج بأطراف الحلف إلى العلن يمثل الخطوة ما قبل الأخيرة، قبل إعادة هيكلة الجامعة العربية، أو ابتكار منظمة إقليمية جديدة تضمن مكانة مرموقة للإسرائيليين، وتكرس الحلف كبنية تحتية عسكرية وسياسية واقتصادية لنظام جديد للأمن الإقليمي.
ومع هذه الأشياء مجتمعة في البال، نعود إلى ما يكتنف الدوافع الذاتية لترامب من التباس وغموض. فمن المُلاحظ، مثلاً، التفاخر بحجم ما قدّم من خدمات لإسرائيل. وهذا أمر يُميّزه عن بقية الرؤساء الأميركيين. فلم يسبق لأحد على مدار عقود طويلة أن لجأ إلى التذكير بخدماته الاستثنائية لإسرائيل بمجرد الإحساس بالخطر، سواء من جهة النتائج الانتخابية، أو الملاحقة القضائية.
ولم يسبق لأحد من الرؤساء الأميركيين أن اتهم اليهود الأميركيين بعدم الإخلاص لإسرائيل في حال امتنعوا عن تأييده في الانتخابات. ولم يسبق لأحد من هؤلاء أن اتهم معارضيه من الديمقراطيين وغيرهم بالعداء للسامية، وكراهية إسرائيل. في ترجمة ترامب للشروط الموضوعية للعلاقة الأميركية الإسرائيلية ما يتجاوز نفوذ اللوبي. وفيها، أيضاً، ما يتجاوز مهارة تاجر العقارات في عقد الصفقات، أو حتى تسديد دين في عنقه لقوى استثمرت فيه وأوصلته إلى البيت الأبيض.
وهذا أمر لم يغب حتى عن أنظار معاونيه. فستيف بانون، مثلاً، الذي تكلمنا عنه في مقالة سبقت، انتقد علاقة ترامب بنتنياهو، وتبعية الأول للثاني، وكذلك تاكر كارلسون، الذي كان مقرباً من ترامب، وصار من أبرز معارضيه لأسباب وثيقة الصلة بموقفه من إسرائيل. القائمة طويلة. وقد زادت الانتقادات حدة بعد الحرب الكارثية، وغير المبررة في نظر غالبية الأميركيين، على إيران. كل ما في الأمر أن ثمة أكثر من علامة استفهام في هذا الشأن.
لم تغب علامات الاستفهام عن أذهان وأنظار اليهود الأميركيين أنفسهم. فعلاوة على حقيقة أن بعض أهم وأبرز معارضي ترامب في الولايات المتحدة من اليهود، نجد خلاصة لتحفظات شريحة واسعة منهم في كتاب بعنوان «تأثير رئاسة دونالد ترامب على اليهود الأميركيين وإسرائيل» (كانون الأوّل 2021).
الخلاصة: إلقاء المسؤولية عن تصاعد العداء للسامية على عاتق ترامب، فهو الذي أدخل نظريات المؤامرة إلى حقل السياسة الأميركية، وحوّل الولاء المزدوج لليهود الأميركيين إلى موضوع للسجال العام، مع تركيز من جانبه على صور نمطية لليهود، وعلى أولوية الولاء لإسرائيل. قدّم في إحدى المناسبات نتنياهو قائلاً للحاضرين: «رئيس وزرائكم».
ويبقى أن علامات الاستفهام لا تخدم مستقبل العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، وهي من المكوّنات الصلبة والثابتة في نقد الإدارة الترامبية، علاوة على إسهامها في إيجاد تحفّظات قوية على العلاقة بإسرائيل في التكوينات الجنينية لقومية حركة ماغا، التي تتبنى الانعزالية، والتمركز على الذات، وكراهية الآخر، وثمة شريحة منها، تزداد اتساعاً، تفرد مكانة خاصة للخوف من «الاختراق» الإسرائيلي.
يبدو الرهان على ترامب، بهذا المعنى، لعبة محفوفة بالمخاطر. ربما تاجر العقارات هو أحد النماذج المتأخرة، والكاريكاتورية، لنوع من العداء للسامية لم يندر وجوده في أوساط رجال الأعمال الأميركيين منذ هنري فورد حتى الآن. فاصل ونواصل.


