مراجعة أداء «حماس»: انتصار متخيل لتبرير الخسائر (2) .. مهند عبد الحميد

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 10:04 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مراجعة أداء «حماس»: انتصار متخيل لتبرير الخسائر (2) .. مهند عبد الحميد




في اليوم الثاني لهجوم 7 أكتوبر، قال خليل الحية لصحيفة «نيويورك تايمز»: ما كان يمكن أن يغيّر المعادلة هو عمل كبير، ومن دون شك كان معروفاً أن رد الفعل على هذا العمل الكبير سيكون كبيراً». وفي مقابلة مع فضائية العربية، يوم 19 تشرين الأول 2023، قال خالد مشعل: نحن ندرك جيدا عواقب عمليتنا في 7 أكتوبر وأن التحرر يتطلب تضحيات».
كلام عام لا يجيب عن امتلاك قدرة عسكرية فلسطينية وعن احتمال النجاح والفشل الذي يبرر القيام او عدم القيام بالهجوم. ولا يجيب عن قدرة المجتمع الفلسطيني على تحمل «الرد الإسرائيلي الكبير» في غياب أي شكل من أشكال تحضير المجتمع للهجوم المعاكس. السؤال: هل يمكن تغيير المعادلة الإقليمية الدولية التي وضعت القضية الفلسطينية على هامش الاهتمام الإقليمي والدولي، او فتح «الانسداد السياسي» الذي تحدث عنه خالد مشعل بهجوم عسكري كبير وغير منسق مع محور المقاومة والممانعة على اقل تقدير. لم يشرح قادة «حماس» استراتيجية هجومهم لا في اليوم الأول ولا في أي يوم من أيام الحرب على امتداد ثلاثة أعوام. فقط أعلنوا حربا شاملة وواصلوا محاولات زج كل الشعب الفلسطيني في المعركة بصرف النظر عن قدراته.
كان النظام العربي قد خرج من الصراع مع إسرائيل باتفاقات آخرها «الاتفاقات الإبراهيمية» بمشاركة الدول التي أبرمتها ودول أخرى تقيم علاقات اقتصادية وأمنية دون الترسيم في اتفاقات. هل كان من شأن هجوم 7 أكتوبر إعادة النظام العربي للصراع بعيدا عن مصالحه وبمعزل عن علاقات التبعية. الجواب، لا. لا سيما أن الشعوب العربية خرجت مهزومة من ربيعها ولا تقوى على فرض سياسة العودة للصراع على أنظمتها. أما النظام الدولي فقد حج عدد كبير من زعمائه الى تل أبيب معلنين دعمهم السياسي والعسكري والاقتصادي لدولة الاحتلال ومؤكدين حقها في الدفاع عن نفسها، وبهذا فقد أعطوا ضوءا اخضرا لهذا النوع من الدفاع الذي أخذ شكل إبادة جماعية وتهجير وتطهير عرقي وفي المحصلة استفراد آلة الحرب الإسرائيلية بالمجتمع الفلسطيني ووضعته في شروط قاهرة غير إنسانية.
أضاف الحية: إن «الحركة نجحت في وضع القضية الفلسطينية على الطاولة» وهذا صحيح، فقد عادت القضية لتحتل مركز الاهتمام الدولي جراء الرد الوحشي التدميري الإسرائيلي على هجوم «حماس» ورد فعل شعوب وقوى ودول ضد الإبادة. ولكن هل وضع القضية الفلسطينية على الطاولة يحتاج الى مثل هذه الخسائر الضخمة بمستوى تهديد وجود ومصير شعب القضية. فما قيمة أن تحضر القضية بثمن وضع شعبها في أتون كارثة إبادة. فيما مضى ساهمت الثورة إبان صعودها،  والانتفاضة الأولى في وضع القضية الفلسطينية على الطاولة، وفي أيلول من كل عام توضع القضية الفلسطينية على طاولة الجمعية العامة التي تتخذ قرارات مهمة، وفي الحالتين، كان الشعب الفلسطيني يقبض ثمنا سياسيا ومعنويا تراكميا على طريق انتزاع حريته وتقرير مصيره. غير أن وضع القضية على الطاولة لا يساوي إيجاد حل لها، لطالما لا تخضع إسرائيل الى ضغوط وعقوبات، وفي ظل الاحتكار الأميركي لحل الصراع ورهنه بالشروط الإسرائيلية العدمية وشبه العدمية وتأمين مظلة تضع دولة الاحتلال و»الأبارتهايد» فوق القانون.
ثانيا: عدم اكتراث قيادة حركة حماس بحق المواطنين في قطاع غزة في الحياة والأمان، ولا بمصير المواطنين في الضفة الغربية ولا تعترف بالمسؤولية عن الكلفة البشرية والمادية والسياسية التي ترتبت على قرار الهجوم.  
قبل هجوم 7 أكتوبر، قد تقع قيادات وأحزاب في خطأ تقدير الردود والاحتمالات، ولكن بعد اختبار التقديرات على الأرض وتحديدا بعد الرد الإسرائيلي المدعوم أميركيا ومن عدد من دول العالم، بعد أن بدأ الشعب يدفع الثمن موتا وتشردا ودمار المكان وافتقاده لأي شكل من أشكال الحماية. قالت أكثرية في قيادة «حماس»: انهم توقعوا ردا إسرائيليا شديدا على هجوم 7 أكتوبر.. والبعض قال: انه لم يتوقع هذا المستوى من الرد. في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» نُشرت في 24 شباط، قال موسى أبو مرزوق: إنه لو كان يعلم حجم الدمار الذي سيلحق بقطاع غزة، لما أيد الهجوم، وإنه لم يكن مطلعاً على التفاصيل الدقيقة للخطة قبل تنفيذها. هنا يتحدث أبو مرزوق عن حجم الدمار ولا يأتي على ذكر موت البشر ومحنتهم التي هزت مشاعر الكون. وعندما سأل مراسل «سي ان ان» أبو مرزوق لماذا لم تبنِ «حماس» ملاجئ تحمي المدنيين الفلسطينيين من القصف. أجاب أبو مرزوق، هذه الأنفاق مخصصة لحماية المقاتلين الذين يقاتلون من داخل الأنفاق. والجميع يعلم أن 75% من سكان قطاع غزة لاجئون، وتقع مسؤولية حمايتهم على الأمم المتحدة».
وكان للقيادي غازي حمد رأي آخر في حديث لـ»الفضائية اللبنانية ال بي سي» حين قال: «طوفان الأقصى هو المرة الأولى وستكون هناك مرة ثانية وثالثة ورابعة». وأضاف: إن «حماس تريد تلقين إسرائيل درسا وأنها مستعدة لتحمل كلفة المواجهة» ولم يتحدث حمد عن العواقب المتوقعة على حياة 2.3 مليون مواطن في قطاع غزة. وفي حديث آخر، تحدث عن احتمال خسارة 20 ألف و50 ألف باعتباره أمرا محتملا. ما هو أهم، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تحقيقاً في 10 حزيران 2024 استند إلى مراسلات منسوبة إلى يحيى السنوار مع مسؤولين في «حماس» ووسطاء، كان السنوار يرى أن استمرار القتال وسقوط مزيد من المدنيين الفلسطينيين يمكن أن يصبّا في مصلحة استراتيجية الضغط على إسرائيل، عبر زيادة الضغط الدولي على إسرائيل ونقلت تقارير عن تلك المراسلات أن السنوار اعتبر ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين عاملاً يزيد الضغط العالمي على إسرائيل، وأنه عارض تقديم تنازلات في المفاوضات بينما كانت الحركة لا تزال قادرة على مواصلة القتال. وفي مقابلة طبيب الأسنان يوفال بيتون الذي عالج السنوار في السجن قال بيتون: انه سأل السنوار في سياق الحديث عن الثمن الذي يدفعه المدنيون مقابل تحرير الأسرى هل يستحق الافراج عن 100 أسير موت 10 آلاف شخص بريء كان جوابه يستحق حتى 100 ألف.
إذا انتقلنا الى وثيقة رسمية بعنوان «روايتنا: طوفان الأقصى… عامان من الصمود وإرادة التحرير» فهي لا تعترف بأي سوء تقدير أو خطأ، وتكتفي باستعراض حرب الإبادة وانعكاساتها الاستراتيجية على إسرائيل، الرواية تحدثت عن صمود أسطوري للشعب الفلسطيني. وعندما يترافق الصمود بإعلان وفد «حماس» الى طهران النصر في الحرب أثناء لقائه المرشد الأعلى خامنئي. نصر بدون أن تحقق أهداف عسكرية وسياسية ومعنوية. هذا النوع من النصر له وظيفة واحدة هي تبرير الخسائر الفادحة والدمار ذلك أن كل الشعوب التي انتصرت لحقت بها خسائر ضخمة. لكن «حماس» ومحور المقاومة بقيادة ايران لها تفسير آخر.
وللحديث بقية