مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، لا تكفي قراءة استطلاعات الرأي لمعرفة اتجاهات المنافسة أو تقدير فرص المعسكرات المختلفة في تشكيل الحكومة المقبلة. فالتباين الواضح بين الاستطلاعات المنشورة خلال الأيام الأخيرة، خصوصًا في توزيع المقاعد بين معسكر بنيامين نتنياهو وما يُعرف بمعسكر أيزنكوت، يكشف أن النتيجة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن الفوارق الصغيرة قد تتحول إلى تغييرات كبيرة في خريطة الكنيست، ولا سيما في ظل وجود أحزاب تدور حول نسبة الحسم.
لكن المسألة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة كل معسكر على تحويل التأييد الذي يظهر في الاستطلاعات إلى أصوات فعلية يوم الانتخابات. وهنا تبرز أهمية المشاركة الانتخابية، وطبيعة القواعد التي تستند إليها الأحزاب، فضلًا عن التطورات السياسية والأمنية والإعلامية التي قد تحدث في الأيام الأخيرة وتؤثر في خيارات الناخبين.
تبدو هذه المسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى معسكر أيزنكوت، الذي يضم قوى وناخبين لا تجمعهم بالضرورة أيديولوجيا موحدة، بقدر ما تجمع بعضهم الرغبة في تغيير الحكومة وإنهاء حكم نتنياهو. فبينهم ناخبون من خلفيات يمينية ووسطية وليبرالية، تتباين مواقفهم من القضايا السياسية والأمنية، لكنهم قد يلتقون عند رفض استمرار الحكومة الحالية، أو تحميلها المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أو الاعتراض على إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
غير أن الاتفاق على ضرورة التغيير لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الناخبين سيشاركون جميعًا في التصويت. فبعضهم قد يتردد، أو يفقد الحماسة، أو لا يجد في الأحزاب المتنافسة ما يدفعه إلى التوجه لصندوق الاقتراع. ولذلك، فإن التحدي أمام هذا المعسكر لا يقتصر على إقناع الناخبين المترددين، بل يتجاوز ذلك إلى حشد المؤيدين وضمان مشاركتهم الفعلية.
وهنا يظهر الفارق بين قاعدة انتخابية أيديولوجية راسخة، مثل قطاعات من جمهور الليكود واليمين الصلب، وقاعدة أوسع وأكثر تنوعًا قد تتفق على إسقاط نتنياهو، من دون أن تمتلك الدرجة نفسها من الالتزام الحزبي والتنظيمي. ولا يعني ذلك أن ناخبي اليمين أكثر انضباطًا جميعًا، أو أن ناخبي المعارضة سيتقاعسون بالضرورة، بل إن طبيعة القواعد الانتخابية تفرض على الأحزاب تحديات مختلفة في إدارة يوم الانتخابات.
في المقابل، يشكل المجتمع العربي عاملًا مهمًا في الحسابات الانتخابية. فالأحزاب العربية تمتلك قاعدة تصويتية وازنة، ويمكن أن يؤثر ارتفاع نسبة المشاركة في حجم تمثيلها البرلماني، وفي الحسابات المتعلقة بإمكان تشكيل الحكومة المقبلة.
وقد تصل حصيلة القائمتين العربيتين، وفق بعض الاستطلاعات، إلى نحو 15 مقعدًا، لكن هذه الأرقام تبقى رهينة الاستطلاع ونسبة المشاركة ونجاح القوائم في تجاوز نسبة الحسم. كما أن هذه المقاعد لا يمكن احتسابها تلقائيًا ضمن معسكر أيزنكوت، لأن التمثيل البرلماني العربي لا يعني بالضرورة المشاركة في حكومة يقودها، فضلًا عن أن موقف الأحزاب العربية من دعم الحكومة أو منحها شبكة أمان برلمانية يخضع لحسابات سياسية وشروط تتعلق بالقضايا الفلسطينية والمجتمع العربي وموقف الحكومة من الحرب والاحتلال.
ومع ذلك، فإن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي يمكن أن يغير توزيع المقاعد ويؤثر في الحسابات البرلمانية. فالغضب من سياسات الحكومة، ومن تصاعد الجريمة والعنف، ومن التمييز والإهمال، قد يتحول إلى دافع للمشاركة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى العزوف إذا شعر الناخبون بأن التصويت لا يغير واقعهم أو أن الأحزاب لا تمثل تطلعاتهم.
لذلك، فإن دور الأحزاب العربية لا يقتصر على المنافسة فيما بينها، بل يشمل قدرتها على إقناع الناخبين بأهمية المشاركة، وتوضيح ما يمكن أن يحققه التمثيل البرلماني وما تعجز عنه حدوده السياسية. وفي المقابل، فإن أي حساب لتشكيل الحكومة يجب أن يميز بين عدد المقاعد، ومواقف الأحزاب، وإمكان بناء أغلبية فعلية من 61 عضو كنيست.
نتنياهو ومفاجآت اللحظة الأخيرة، إلى جانب المشاركة ونسبة الحسم، تبقى المفاجآت المحتملة عاملًا لا يمكن تجاهله. فنتنياهو، الذي أظهرت الاستطلاعات المشار إليها ابتعاده عن أغلبية 61 مقعدًا، سيواصل السعي إلى تحسين موقعه الانتخابي. وقد يحاول إعادة وضع الأمن والتهديدات الخارجية في مركز الحملة، وتقديم نفسه باعتباره القادر على إدارة الأزمات، بما قد يحفز ناخبي اليمين ويعيد بعض المترددين إلى صفوفه.
لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر أيضًا. فعودة إخفاقات السابع من أكتوبر إلى صدارة النقاش، أو ظهور شهادة أو وثيقة أو تسريب موثوق يعيد فتح الأسئلة بشأن المسؤولية السياسية والأمنية، قد يضع الحكومة في موقف دفاعي. كما أن تطورًا يتعلق بالفساد أو إدارة الحرب أو العلاقة بين نتنياهو وشركائه في الائتلاف قد يعيد توجيه النقاش نحو القضايا التي تحاول المعارضة إبقاءها في الواجهة.
ولا يمكن افتراض أن كل تسريب أو حدث مفاجئ سيضر بنتنياهو أو يخدم خصومه. فالأثر يتوقف على مضمون المعلومات ومصداقيتها وتوقيتها، وعلى طريقة تعامل وسائل الإعلام معها، ومدى قدرتها على تغيير أولويات الناخبين. وقد يكون التطور الأهم ليس كشف قضية جديدة، بل عودة قضية معروفة إلى الواجهة في توقيت حساس، أو صدور موقف من شخصية سياسية أو أمنية يعيد تنشيط نقاش كان قد تراجع.
تُظهر التناقضات بين الاستطلاعات أن التعامل مع توزيع المقاعد بوصفه نتيجة نهائية أمر مضلل. فالأحزاب القريبة من نسبة الحسم قد تغير حسابات المعسكرات، والاختلاف في تقدير نسبة المشاركة قد يؤثر في توزيع المقاعد، فيما يمكن للتطورات الأخيرة أن تحرك أصواتًا بين الأحزاب أو تدفع ناخبين إلى المشاركة أو الامتناع.
وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس فقط كم مقعدًا سيحصل عليه نتنياهو أو أيزنكوت، بل كيف ستتحول نيات التصويت إلى أصوات فعلية، وما حجم المشاركة العربية، وأي أحزاب ستجتاز نسبة الحسم، وما إمكان تحويل النتائج إلى أغلبية برلمانية قابلة للحياة.
قد ينجح نتنياهو في استثمار اللحظة الأخيرة وإعادة تعبئة قاعدته، وقد تؤدي تطورات جديدة إلى زيادة الضغوط عليه. وبين الاحتمالين، ستبقى قدرة المعارضة على حشد مؤيديها، وقدرة الأحزاب العربية على تعبئة ناخبيها، عاملين أساسيين في تحديد شكل الكنيست المقبل. فالانتخابات لا تُحسم بما تقوله الاستطلاعات قبل الاقتراع، بل بما يحدث يومه، وبالنتائج التي تخرج من صناديق التصويت، ثم بالحسابات السياسية التي تبدأ بعد إعلانها.
[10/17/26, 08:46:09] مصطفى إبراهيم: وتتجاوز هذه الأزمة الفصائل منفردة لتطاول النظام السياسي الفلسطيني برمته، وفي القلب منه منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. فقد تأسست منظمة التحرير بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً لتمثيل الشعب الفلسطيني وقيادة نضاله من أجل التحرر وتقرير المصير وعودة اللاجئين. لكن إنشاء السلطة الفلسطينية في سياق اتفاقات أوسلو، ثم استمرار الانقسام وتعطل تجديد المؤسسات التمثيلية، أوجد واقعاً سياسياً تداخلت فيه وظائف التمثيل الوطني مع وظائف الحكم والإدارة والأمن، من دون أن تتوافر مقومات السيادة أو ينتهِ الاحتلال.
ومع مرور الوقت، باتت العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية تثير أسئلة جوهرية بشأن طبيعة المشروع الوطني وأولوياته. فهل ما زالت المنظمة تؤدي دورها بوصفها حركة تحرر وطني وإطاراً جامعاً للفلسطينيين في أماكن وجودهم، أم أن وظائفها ومؤسساتها تراجعت لمصلحة بنية سياسية تتركز حول إدارة السلطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟ وهل ما زالت الفصائل تنظر إلى السلطة باعتبارها أداة لخدمة المشروع الوطني، أم أصبح الحفاظ على المؤسسات والمواقع والنفوذ جزءاً من حساباتها السياسية والتنظيمية؟
لا يعني ذلك أن إدارة شؤون الفلسطينيين تتعارض بالضرورة مع النضال من أجل التحرر، بل إن المشكلة تبدأ عندما تطغى متطلبات إدارة سلطة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال على أهداف التحرر الوطني، أو عندما يتحول الحفاظ على البنية السياسية القائمة إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن يكون وسيلة لخدمة الشعب وتحقيق حقوقه.
وعندما تنشغل القوى السياسية بإدارة الانقسام وتوزيع النفوذ والمواقع، وتتراجع قدرتها على تجديد التمثيل الوطني ووضع استراتيجية مشتركة لمواجهة الاحتلال، فإن الفجوة بينها وبين المجتمع تصبح أكثر اتساعاً.
تتعمق أزمة الشرعية أيضاً بفعل غياب الانتخابات الدورية، وتعطل المؤسسات التمثيلية، واستمرار احتكار القرار، وغياب المحاسبة السياسية. فالشرعية ليست مجرد صفة تستمدها القيادة من تاريخ تأسيسها أو من الاعتراف الخارجي بها، بل ترتبط كذلك بقدرتها على تمثيل الناس، والاستجابة لتطلعاتهم، وإشراكهم في القرارات المصيرية، والخضوع للمساءلة عن النتائج. ومن دون ذلك، تصبح الشرعية التاريخية رصيداً متناقضاً، لا يمكن تعويضه بمجرد تكرار الشعارات الوطنية أو المطالبة بالالتفاف حول القيادة.
لقد كشفت حرب الإبادة على قطاع غزة، بما خلفته من دمار وخسائر بشرية ونزوح ومعاناة غير مسبوقة، حجم الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، وعجز النظام السياسي عن تقديم إجابات مقنعة بشأن إدارة الكارثة، ومستقبل القطاع، وإعادة الإعمار، ووحدة المؤسسات والقرار الوطني، وشكل العلاقة مع الاحتلال. ولا يمكن اختزال هذه الأزمة في خلافات الفصائل أو في تداعيات الحرب وحدها، لأنها ترتبط أيضاً بغياب مشروع وطني جامع، وبعجز القوى السياسية عن بناء علاقة جديدة مع المجتمع تقوم على الثقة والمشاركة والمساءلة.
الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ بتبادل الاتهامات، ولا بمجرد تغيير بعض القيادات أو تحسين الخطاب الإعلامي، بل بمراجعة شاملة لطبيعة المشروع الوطني وأدواته ومؤسساته. مراجعة تعترف بالإخفاقات والأخطاء، وتعيد تعريف العلاقة بين الفصائل والمجتمع، وتفتح المجال أمام تجديد منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتشاركية، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات التمثيلية، وضمان حق الفلسطينيين في اختيار من يمثلهم ومحاسبته.
والأهم أن تدرك الفصائل أن استعادة الثقة لا تتحقق بالمطالبة بها، ولا باستدعاء تاريخها وتضحياتها كلما تعرضت للنقد، بل بإثبات قدرتها على التعلم والتغيير، وبالاعتراف بأن شرعيتها ليست ملكاً لها، وإنما تستمدها من الشعب الذي تدّعي تمثيله، ومن قدرتها على خدمة أهدافه وحقوقه الوطنية.
فالأزمة الفلسطينية اليوم ليست فقط أزمة فصائل فقدت جزءاً من شعبيتها، بل أزمة نموذج سياسي ونضالي لم يعد قادراً على استيعاب التحولات التي حدثت في المجتمع، ولا على تجديد شرعيته وأدواته.
والسؤال الذي يواجه الفلسطينيين ليس كيف يمكن إعادة الثقة بالفصائل كما كانت في الماضي، بل كيف يمكن بناء حركة وطنية متجددة تستعيد ثقة الناس، وتعيد الاعتبار إلى المشاركة والمساءلة، وتربط بين إدارة الشأن الفلسطيني ومشروع التحرر الوطني.
فلا يمكن لحركة تحرر وطني أن تستمر بالاعتماد على شرعية الماضي وحدها، ولا يمكن لنظام سياسي أن يدّعي تمثيل شعبه إلى أجل غير مسمى من دون تفويض متجدد. وبين شرعية التاريخ وشرعية الحاضر، تقف الحركة الوطنية الفلسطينية أمام استحقاق لا يمكن تأجيله: إما أن تراجع نفسها وتعيد بناء علاقتها بالشعب على أسس جديدة، أو أن تواصل التراجع فيما تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع الذي نشأت أصلاً من أجل تحريره وتمثيله.


