لم يكن قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، الرئاسية والتشريعية، مفاجئاً.
لم تتمتع الفكرة منذ انطلاقها بأي مستوى من الترقب والانتظار والتوتر والتوقعات وبناء الاحتمالات، كان مسارها واضحاً منذ قرار إعلانها، لعل التساؤل الوحيد الذي رافقها هو متى سيتم الإعلان عن "التأجيل".
كان يمكن الحصول على هذا التحليل أو هذه النتيجة في المقهى حول طاولة نرد، أو في حافلة فورد قادمة من الضواحي أثناء رغبة الركاب في تزجية وقت الطريق أو مجاملة السائق الذي يبدو مطلعاً، أو كموضوع جانبي في مكالمة هاتفية حول الطقس، أو أثناء التحضير لقطاف الزيتون خلال اجتماع العائلة وقراءة الطرق والمواجهة المحتملة مع المستوطنين وإرهابهم ورعاتهم من جيش الاحتلال.
لعل المفاجأة النسبية، وهي نسبية بشكل فاجع، تنحصر في طريقة إخراج "التأجيل" هذه المرة، مصدر الاقتراح على وجه الخصوص، الجبهة الشعبية، بحيث تظهر السلطة في دور المتفهم الذي يتجاوب مع اقتراح من "المعارضة"، بينما تتنهد حماس في الخلفية، وتفرك بقية الفصائل أيديها وظهورها.
التأجيل ارتبط شكلياً بمواصلة "الحوار الوطني" وهو حوار أبدي أشبه بكتف افتراضية للاتكاء وتمرير الوقت وإدارة الأخطاء، وبسبب "العراقيل" التي يضعها الاحتلال، وهي عراقيل قائمة قبل وأثناء الإعلان نفسه.
أي حوار يمكن أن ينشأ على هذه الأرضية!
لعل ما يمكن الخروج به أن "التأجيل" هو الحد الممكن من الوحدة، أو التوافق إذا أردنا الدقة، الذي لا يتجاوز عتبة الاتفاق على مواصلة الانتظار.
وهو أمر يكاد ينحصر في مصلحة الفصائل، ولا علاقة له بالشرعية الوطنية ولا بأي شرعية شعبية يمكن زجها لتبرير الاعتراض كما جرت العادة.
هكذا منحت الفصائل نفسها سنة كاملة من الاسترخاء في غيبوبتها.
يمكن الحديث عن ثلاث حصص لا علاقة للناس بها، فتح/السلطة ألقت عن كاهلها مسؤولية تأجيل الاستحقاق الوطني، وفي نفس الوقت نجت من خسارة كانت متوقعة لأسباب كثيرة منها الانقسام وسوء الإدارة وعدم الجاهزية.
حماس حصلت على سنة كاملة من العبث السياسي ومحاولة إعادة تمركزها على حساب المشروع الوطني، وخارج إرادة الأغلبية الشعبية، والتهرب من الاستحقاقات التي نتجت عن تفردها وسياساتها وتحالفاتها.
الفصائل أجّلت الإعلان الشعبي عن خسارتها وخروجها من المشهد سواء في "المعارضة" أو في "السلطة"، إذ سيكون من الصعب فعلاً اعتماد الحصص المعمول بها الآن تحت مسمى "الوحدة الوطنية" في مؤسسات وهيئات منظمة التحرير أو هياكل السلطة، وهي حصص تفيض عن حضور ودور هذه الفصائل وطنياً وشعبياً، وتنحصر في بعض الأسماء المقربة لأسباب كثيرة ليست الكفاءة من بينها.
هكذا يتحول "التأجيل" إلى برنامج لتعويم الفصائل على أنواعها، وتعويم المحاسبة سواء تلك المتعلقة بالفساد والفشل السياسي أومسؤولية الكارثة.


