تراجع الدور الوطني التحرري للأحزاب الفلسطينية؟ إبراهيم أبراش

الإثنين 12 أكتوبر 2026 10:12 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تراجع الدور الوطني التحرري للأحزاب الفلسطينية؟ إبراهيم أبراش



بدايةً، لا تبدو الأزمة التي تعيشها الأحزاب الفلسطينية اليوم مجرد تعثر سياسي عابر، بل تعكس حالة من التراجع العميق في دورها الوطني والتحرري مقارنة بالأهداف والشعارات التي انطلقت من أجلها. صحيح أن اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة والقوى الغربية، أسهم في إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن ذلك لا يكفي لتفسير حالة الإخفاق التي وصلت إليها معظم هذه الأحزاب.

فالأحزاب الفلسطينية كانت تدرك منذ نشأتها طبيعة هذا الاختلال، ومع ذلك لم تتمكن من بناء عناصر قوة داخلية قادرة على تعزيز صمود المجتمع أو حماية القرار الوطني المستقل. بل إن الفشل في إدارة الشأن الداخلي والانقسامات المتواصلة أضعفا الجبهة الوطنية وسهّلا التدخلات الخارجية في القضية الفلسطينية.

ومع مرور الوقت، تآكلت الفوارق التقليدية بين القوى السياسية المختلفة. فلم يعد التمايز واضحاً بين أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة أو المقاومة، بعدما أصبح الصراع على السلطة جزءاً أساسياً من النشاط السياسي لهذه القوى. كما تراجعت جاذبية الخطابات الأيديولوجية، سواء الوطنية أو اليسارية أو الإسلامية، بعدما أخفقت في تقديم نماذج سياسية قادرة على إقناع الجمهور أو تلبية تطلعاته.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن الارتهان للمصادر الخارجية، سواء السياسية أو المالية، أسهم في إضعاف استقلالية القرار الحزبي، وأدى إلى تحويل العلاقة مع الجمهور من علاقة تقوم على البرامج والرؤى السياسية إلى علاقة ترتبط بالمساعدات والخدمات والمنافع المباشرة.

كما أن الانقسام الفلسطيني وما نتج عنه من صراعات داخلية ترك آثاراً عميقة على الهوية الوطنية الجامعة، وأضعف مكانة المؤسسات الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي انعكس سلباً على مجمل المشروع الوطني.

وفي المقابل، أخفقت الساحة الفلسطينية في إنتاج بدائل سياسية جديدة تمتلك قاعدة شعبية واسعة وبرامج وطنية مستقلة قادرة على تجديد الحياة السياسية. فالمبادرات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة بقيت محدودة التأثير، ولم تتمكن من التحول إلى قوى منظمة قادرة على منافسة الأحزاب التقليدية أو كسر حالة الجمود القائمة.

وأدى هذا الفراغ السياسي إلى اتساع مساحة التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني، حيث باتت أطراف خارجية عديدة تؤثر في التوازنات الداخلية من خلال الدعم السياسي أو المالي أو الإعلامي، ما جعل الساحة الفلسطينية أكثر عرضة للاستقطاب والتجاذبات.

وفي المحصلة، تبدو معظم الأحزاب الفلسطينية اليوم منشغلة بصراعات النفوذ والسلطة أكثر من انشغالها بتطوير أدوات المواجهة مع الاحتلال أو تجديد المشروع الوطني. ومع ذلك، فإن مستقبل القضية الفلسطينية لا يتوقف عند مصير هذه الأحزاب وحدها، بل يرتبط بقدرة الشعب الفلسطيني على الحفاظ على هويته الوطنية وإفراز نخب وقوى سياسية جديدة قادرة على استعادة الدور التحرري وبناء مشروع وطني أكثر فاعلية واستقلالاً.

إبراهيم أبراش
[email protected]