أعلنت شركة إنفيديا، عملاق معالجات الذكاء الاصطناعي، موافقتها على صفقة استحواذ بقيمة 13 مليار دولار على منصة هاجينج فيس، المتخصصة في استضافة ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأوزان المفتوحة. جاء الإعلان في اليوم ذاته الذي أفادت فيه إنفيديا عن تضاعف إيراداتها الفصلية وتوقعاتها بمواصلة النمو، ما دفع سهمها للارتفاع بنسبة 7%.
تأسست هاجينج فيس على يد ثلاثة رواد أعمال فرنسيين، وباتت تحتضن إحدى أكبر مجموعات نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأوزان المفتوحة عالميًا. تتمثل هذه النماذج في أنظمة تسمح للمستخدمين والمطورين بتعديلها وتطويرها بما يتناسب مع احتياجاتهم الخاصة، في تناقض مع النماذج المغلقة التي تطورها شركات مثل أوبن إيه آي. طالما ركزت المنصة على مبدأ إتاحة تطوير الذكاء الاصطناعي للجميع، بعيدًا عن هيمنة جهة واحدة مركزية.
تعكس الصفقة تحولًا ملحوظًا في موقف هاجينج فيس، التي رفضت العام الماضي استثمارًا بقيمة 500 مليون دولار من إنفيديا نفسها، كان كان سيمنحها تقييمًا بلغ 7 مليارات دولار. حينها خشيت الشركة الناشئة أن يؤثر مستثمر مهيمن على قراراتها بشكل سلبي. قال كليم ديلانج، الرئيس التنفيذي المشارك، في 2024: "تركز القوة هو أكبر خطر يواجه الذكاء الاصطناعي" إلا أن السعر الأعلى للصفقة الحالية وتقارير عن اهتمام مشترين محتملين آخرين، من بينهم سيلز فورس، قد تفسر هذا التغير في الموقف.
تكمن المفارقة في أن إنفيديا تريد بالفعل لنماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة أن تزدهر، لكن لدوافع استراتيجية خالصة: منع أوبن إيه آي وشركات ذكاء اصطناعي كبرى أخرى من تهديد سيطرتها على سوق الرقائق. هذا الأسبوع أعلنت أوبن إيه آي نتائج قوية لشريحة ذكاء اصطناعي مخصصة تدعى "هالابينو"، وتشير الاختبارات الأولية إلى أنها قد تتفوق على بعض أكثر رقائق إنفيديا تطورًا. العلاقة بين الشركتين معقدة: إنفيديا من أكبر المستثمرين في أوبن إيه آي، وهو ما عرضها لاتهامات بـ "التمويل الدائري"، إلا أنها تسعى في الوقت ذاته لكبح نفوذها.
يمكن للاستحواذ على هاجينج فيس أن يمنح إنفيديا موازنة قوية ضد مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي مغلقة المصدر مثل أوبن إيه آي وجوجل، اللتين تعملان على تطوير معالجات خاصة بهما. مطورو النماذج المفتوحة أحرار في اختيار الرقائق المستخدمة، وتريد إنفيديا أن تضمن فرصة بيع معالجاتها لهم بدلًا من توجههم نحو منافسيها. هذا قد يشرح السعر المرتفع للصفقة، إذ ستدفع إنفيديا حوالي 86 ضعفًا لإيرادات هاجينج فيس السنوية البالغة نحو 150 مليون دولار، وهو مضاعف مرتفع جدًا.
لكن السيولة ليست مشكلة لإنفيديا، التي تتوقع نمو مبيعات رقائقها بنسبة 70% في سنتها المالية المقبلة، مع الحفاظ على هامش ربح إجمالي يقارب 75%. القيمة الحقيقية للصفقة تكمن في الموقع الاستراتيجي الجديد والنفوذ الأكبر لدى المطورين. تصل منصة هاجينج فيس إلى ملايين المبرمجين في اللحظة التي ينزلون فيها النماذج ويبدأون استخدامها، ما قد يعزز طموحات إنفيديا في الحوسبة السحابية بمنحها قناة إضافية لتأجير قدراتها الحاسوبية.
احتفى بعض داعمي هاجينج فيس، التي تتخذ من باريس ونيويورك مركزين لها، بالصفقة باعتبارها انتصارًا للقطاع التكنولوجي الأوروبي. إلا أنها قد تمثل أيضًا تنازلًا عن المبادئ، ليس فحسب للشركات الناشئة الأوروبية التي غالبًا ما تستحوذ عليها شركات وادي السيليكون الكبرى، بل لحركة الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر نفسها. بعد سنوات من سعي هاجينج فيس لجعل الذكاء الاصطناعي أقل مركزية، قد تنتهي إلى مساعدة إنفيديا على تعزيز هيمنتها.
تسيطر إنفيديا على ما يُقدر بنحو 70% إلى 90% من مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي، وهي سوق لم تنجح حتى جوجل في زعزعة هيمنة إنفيديا عليها رغم تطوير معالجاتها الخاصة. قد يصبح حياد هاجينج فيس الشهير موضع شك إذا منحها الاستحواذ أكبر شركة رقائق ذكاء اصطناعي في العالم منفذًا جديدًا للتأثير على خيارات المطورين ودفعهم نحو استخدام رقائقها.
ومهما تعددت الشركات المطورة لتقنيات روبوتات الدردشة والتطبيقات الأخرى، فإن البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الخدمات لاتزال خاضعة إلى حد كبير لسيطرة شركة واحدة. والآن، تستعد واحدة من أبرز المناصرين لتوزيع القوة والابتعاد عن المركزية في قطاع الذكاء الاصطناعي لمنح إنفيديا نفوذًا إضافيًا.
اقرأ أيضًا:


