المقال الثاني من سلسلة كيف نفكر سياسيًا؟؛ وهي سلسلة تحاول، في زمن الأزمات، أن تعيد التفكير في الطريقة التي نقرأ بها السياسة، ونبني بها مواقفنا وأحكامنا.
ليس كل ما نراه في السياسة هو الواقع كما هو. ففي كثير من الأحيان، نرى منه ما يتوافق مع ما نؤمن به، ونستبعد، ربما دون أن نشعر، ما يربك قناعاتنا أو يناقضها. وهنا تبدأ واحدة من أكثر مشكلات التفكير السياسي تعقيدًا. نحن لا نستقبل الأحداث بعقول فارغة. ندخل إليها محملين بتجاربنا، وانتماءاتنا، ومخاوفنا، ومصالحنا، وذاكرتنا، وأحيانًا بأحكام اتخذناها قبل أن تبدأ الأحداث أصلًا. ولذلك قد يشاهد شخصان الحدث نفسه، ويقرآن المعلومات نفسها، ثم يخرجان باستنتاجين متناقضين تمامًا.
المشكلة ليست في الاختلاف؛ فالاختلاف طبيعي في السياسة، بل وضروري. المشكلة تبدأ عندما لا نعود نبحث عن الحقيقة، وإنما نبحث عما يؤكد أننا كنا على حق منذ البداية. ولهذا نميل إلى تصديق الخبر الذي ينسجم مع موقفنا، ونشكك في الخبر الذي يناقضه. نحتفي بتحليل لأنه يقول ما نريد سماعه، ونرفض تحليلًا آخر قبل أن نفحص حججه، فقط لأن نتيجته لا تعجبنا. ومع الوقت، لا نعود نقرأ الواقع لكي نفهمه، بل ننتقي منه ما يسمح لنا بالحفاظ على الصورة التي رسمناها مسبقًا.
في علم النفس السياسي، يمكن فهم جانب من هذه الظاهرة من خلال ما يعرف بــــــ"الانحياز التأكيدي"؛ أي ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداته السابقة، ومنحها وزنًا أكبر من المعلومات التي تتعارض معها. لكن خطورة هذه الظاهرة في السياسة أكبر بكثير من حياتنا اليومية، لأن الخطأ في قراءة الواقع لا يبقى مجرد رأي شخصي. عندما يصيب صانع القرار، قد يتحول إلى قرار خاطئ، وعندما ينتشر داخل تنظيم سياسي قد يصبح سياسة، وعندما يهيمن على مجتمع بأكمله قد يمنعه من رؤية التحولات التي تحدث من حوله.
وهنا تظهر إحدى المفارقات: قد تتوافر أمامنا معلومات أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك نصبح أقل قدرة على رؤية الواقع. وهذا يعني أن المعلومات وحدها لا تصنع فهمًا ووعياً ورؤية وبصيرة. قد نملك آلاف الأخبار والتقارير والتحليلات، لكن إذا كنا نختار منها فقط ما يتوافق مع قناعاتنا، فإن كثرتها لن تجعلنا أكثر معرفة، بل ربما تجعلنا أكثر ثقة في قراءة ناقصة للواقع.
وهذه المشكلة تصبح أكثر حدة في زمن الأزمات. فعندما تكون المجتمعات تحت ضغط الحرب أو الخوف أو الاستقطاب أو الشعور بالتهديد، تصبح المسافة بين التحليل والانتماء ضيقة للغاية. وقد يُفهم السؤال باعتباره تشكيكًا، والنقد باعتباره اصطفافًا، والمراجعة باعتبارها تراجعًا، فيما تتحول بعض المواقف إلى مسلمات يصعب إخضاعها للنقاش. لكن التفكير السياسي يبدأ تحديدًا من القدرة على فعل العكس: أن نضع قناعاتنا نفسها موضع الاختبار.
فإذا كنت مقتنعًا بأن قرارًا سياسيًا ما كان صحيحًا، فلا يكفي أن تجمع الأدلة التي تثبت صحته. حاول أن تبحث عن الأدلة التي يمكن أن تثبت خطأه أيضًا. وإذا كنت مقتنعًا بأن طرفًا سياسيًا أخطأ، فلا تبحث فقط عن الوقائع التي تدينه، بل اسأل: هل توجد وقائع أخرى تجعل قراره مفهومًا، حتى وإن لم تجعله صحيحًا؟ هذه ليست دعوة إلى الحياد الأخلاقي، ولا إلى المساواة بين المواقف أو الأطراف، وإنما إلى الفصل قدر الإمكان بين ما نريده أن يكون صحيحًا، وما تسمح لنا الوقائع بأن نقول إنه صحيح.
وهذا الفصل ليس سهلًا. فكلما ارتبطت القضية بهويتنا أو ذاكرتنا أو معاناتنا، أصبح النظر إليها من مسافة نقدية أكثر صعوبة. لكن صعوبة الأمر لا تلغي ضرورته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تحدد مصير مجتمعات بأكملها. وربما لهذا السبب لا يكون أفضل المحللين دائمًا أكثر الناس امتلاكًا للمعلومات، بل أولئك الأكثر استعدادًا لمراجعة استنتاجاتهم عندما تتغير الوقائع.
فالتحليل السياسي ليس دفاعًا مستمرًا عن رأي اتخذناه في الماضي. والاعتراف بأن تقديرًا سابقًا كان خاطئًا لا ينتقص من صاحبه؛ بل إن القدرة على تغيير الرأي عندما تتغير الأدلة واحدة من أهم علامات التفكير النقدي. المشكلة الحقيقية أن نفعل العكس: أن تتغير الوقائع، بينما نبقى نحن نعيد تفسيرها بالطريقة نفسها حتى لا نضطر إلى تغيير قناعاتنا. وهنا يصبح السؤال أكبر من السياسة نفسها: هل نبحث عن الحقيقة، أم نبحث عن الطمأنينة التي تمنحنا إياها قناعاتنا؟ لذلك، عندما نقرأ الأزمة القادمة، ربما لا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: ماذا حدث؟ بل أن نسأل أنفسنا أيضًا: بأي عين أنظر إلى ما حدث؟ وما الذي يمكن أن يجعلني أغير قراءتي له؟


