البراكين والمناخ

خبر : عام 536 الميلادي: الأزمة المناخية التي غيرت مسار البشرية

الجمعة 14 أغسطس 2026 12:27 م / بتوقيت القدس +2GMT
عام 536 الميلادي: الأزمة المناخية التي غيرت مسار البشرية



وكالات /سما/

شهد العالم في عام 536 ميلادي واحدة من أشد الأزمات المناخية التي واجهتها الحضارة الإنسانية، إذ تسببت سلسلة من الثورات البركانية الضخمة في حجب ضوء الشمس وانخفاض درجات الحرارة على نطاق واسع، ما نتج عنه مجاعات وأمراض انتشرت في أنحاء كثيرة من العالم القديم.

وفقا لمجلة Futura المتخصصة، يُمكن اعتبار هذا العام من أصعب الفترات في تاريخ البشرية بلا منازع. لوحظ خلال تلك السنة انخفاض غير طبيعي وحاد في شدة ضوء الشمس عبر مناطق واسعة من أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء عديدة من آسيا، حيث وصلت تأثيرات هذا الظرف المناخي الاستثنائي إلى مختلف أصقاع المعمورة المأهولة بالسكان آنذاك.

روى المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيصري وصفاً مذهلاً لتلك الفترة، حيث قال إن الشمس بدت خافتة طوال أيام العام، تشبه في إضاءتها القمر بدلاً من كونها مصدراً متوهجاً للضوء. كان التأثير المناخي الناجم عن هذا الحجاب الضوئي كارثياً على النطاق العالمي، فقد تسبب في تساقط الثلوج خلال فصل الصيف في الصين، وفي تدمير المحاصيل على نطاق واسع في مناطق شاسعة متعددة الجغرافيا والطقس.

كشفت الدراسات العلمية الحديثة المبنية على تحليل حلقات الأشجار القديمة وعينات الجليد المستخرجة من الأنهار الجليدية في غرينلاند وجبال الألب عن وجود شظايا مجهرية من الزجاج البركاني، يتطابق تركيبها الكيميائي بدقة مع تركيب مواد بركانية مصدرها آيسلندا. يعتقد الباحثون أن هذه الظاهرة نتجت عن إطلاق كميات ضخمة وغير مسبوقة من الرماد والكبريت في الغلاف الجوي.

لم يكن الانفجار البركاني الأول هو السبب الوحيد وراء هذه الكارثة المناخية. فقد تبعته ثورات بركانية لاحقة متعددة، بما فيها ثوران بركان إيلوبانغو الهائل في السلفادور الحالية نحو عامي 539 و540 ميلادي، مما أدى إلى تفاقم تلوث الغلاف الجوي بشكل متراجع مستمر. حجبت سحب الرماد والغبار البركاني الكثيف جزءاً كبيراً من ضوء الشمس عن سطح الأرض، ما أدى إلى عواقب مناخية استمرت لفترة طويلة تجاوزت السنوات القليلة الأولى.

عاش نصف الكرة الشمالي خلال تلك الفترة المشؤومة واحدة من أبرد الفترات التي عرفها على مدار الألفي سنة السابقة واللاحقة. تقلصت حلقات نمو الأشجار بشكل ملحوظ وحاد، وهي ظاهرة تشير إلى تباطؤ حاد وملموس في نمو النباتات والمحاصيل. سجل الباحثون انخفاضاً في متوسط درجات حرارة فصل الصيف في أوروبا بقيمة تتراوح بين 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية، وهو رقم قد لا يبدو كبيراً لكن تأثيره على الإنتاج الزراعي كان مدمراً.

أسفر تضرر المحاصيل عن فترات طويلة من الشح والندرة إلى انتشار مجاعة واسعة النطاق عبر المناطق المتأثرة، ما أضعف كثيراً من مناعة السكان وزاد من معدل تعرضهم للأمراض المختلفة، نتيجة مباشرة لتدهور الظروف المعيشية والصحية بشكل حاد في المجتمعات المتأثرة.

في السياق المعاصر، أكدت عالمة المناخ الأمريكية كريستينا دال، نائبة رئيس مركز المناخ، أن ثوران بركان يلوستون الحالي قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في درجات الحرارة العالمية، لكنه لن يتسبب في انهيار الحضارة الحديثة كما حدث في العصور القديمة، شرط أن تكون البنية التحتية العالمية جاهزة للتعامل مع مثل هذه الأزمات.

كشف باحثون صينيون حديثاً أن بركان يلوستون العملاق في الولايات المتحدة يتغذى بالصهارة من طبقة من الصخور المنصهرة جزئياً تقع مباشرة تحت قشرة الأرض، مما يشير إلى استمرار تهديده المحتمل للأنظمة المناخية العالمية.

كما اكتشف علماء الجيولوجيا تحت نيوزيلندا آثار فقاعة صهارة هائلة تعرف باسم "superplume"، التي أدت في الماضي البعيد إلى أكبر نشاط بركاني شهدته الأرض في تاريخها الجيولوجي، مما يدل على أن الأرض تختزن طاقات بركانية قادرة على تغيير المناخ بشكل جذري.

يوجد حالياً نحو 1500 بركان على سطح الأرض كانت نشطة في الـ 10 آلاف سنة الماضية، وتُرسل بشكل دوري الرماد والغازات البركانية إلى الغلاف الجوي، مما يذكرنا بالتهديدات المحتملة للاستقرار المناخي العالمي.

من الأمثلة المعاصرة على هذه الأخطار البركانية، بركان "تال" في الفلبين، الذي استيقظ من سباته بعد مرور أربعين سنة على آخر ثوران له، حيث انفجر في 12 يناير وأرسل عمود هائل من البخار والكبريت نحو السماء، مما أرغم الآلاف من السكان على إخلاء جزيرة لوزون فوراً كإجراء احترازي ضروري.

اقرأ أيضًا: