ليس اختيار نوعية الطعام هو العامل الوحيد الذي يحدد صحتنا، فساعة جسمك البيولوجية تلعب دوراً حاسماً في كيفية استقلاب جسدك للغذاء وتحويله إلى طاقة. وتشير الأبحاث الناشئة في مجال "التغذية الزمنية" إلى أن الأكل الصحي يتعلق بشكل متساوٍ بموعد تناول الطعام مثلما يتعلق بنوعيته.
عكفت الباحثة مارتا غاراوليت من جامعة مورسيا الإسبانية على دراسة هذا الموضوع بعد ملاحظة غريبة في عيادتها المتخصصة في إنقاص الوزن. لاحظت أن امرأتين تعيشان معاً، تتبعان النظام الغذائي نفسه تماماً، حققتا نتائج مختلفة جداً في خسارة الوزن. الفارق الوحيد كان أن إحداهما تناولت الغداء حوالي الساعة الواحدة ظهراً، بينما اضطرت الأخرى لتأجيل وجبتها بسبب جدول محاضراتها. الطالبة التي تناولت غداء مبكراً فقدت وزناً أكثر بكثير خلال ستة أسابيع، مما دفع غاراوليت للتحقيق في هذا الاحتمال المثير.
تابعت غاراوليت وزملاؤها 420 بالغاً في إسبانيا شاركوا في برنامج موحد لخسارة الوزن على مدى 20 أسبوعاً. أظهرت النتائج أن من تناولوا الغداء في وقت مبكر من اليوم فقدوا وزناً أكثر وبسرعة أكبر مقارنة بمن تأخروا في تناول وجبتهم الرئيسية. وكشفت دراسة أخرى شملت 32 امرأة سليمة أن اللواتي تناولن الغداء متأخراً أظهرن تحكماً أضعف في مستويات السكر في الدم وحرقاً أقل للكربوهيدرات.
السبب وراء هذا التأثير يعود إلى أننا بيولوجياً لسنا الشخص نفسه صباحاً ومساءً. ساعتنا البيولوجية الداخلية تنظم تقريباً جميع جوانب وظائفنا الفسيولوجية. عندما نتناول الطعام في وقت تشير فيه ساعة الجسم إلى أن موعد النوم قد حان، يحدث عدم تطابق بيولوجي يُعرف بـ"اختلال التوافق الإيقاعي".
درس الباحثون عام 2022 أكثر من 800 بالغ، وأعطوا كل مشارك مشروباً من الغلوكوز صُمم لمحاكاة محتوى الكربوهيدرات في وجبة مسائية عادية. وجدوا أن المشاركين عالجوا هذا المشروب بكفاءة أقل عندما تناولوه قبل النوم بساعة واحدة مقارنة بتناوله قبل النوم بأربع ساعات. مستويات السكر في الدم كانت أعلى لدى من شربوا المشروب قبل النوم مباشرة، وأنتجوا كمية أقل من الإنسولين الذي ينظم السكر في الدم.
يعتقد الباحثون أن هرمون الميلاتونين، الذي ترتفع مستوياته استعداداً للنوم، يلعب دوراً أساسياً في هذه العملية. عند تناول الطعام عندما تكون مستويات الميلاتونين مرتفعة، فإن التحكم في الغلوكوز يتأثر سلباً. والتأثير أكبر لدى من يحملون نسخة شائعة من جين MTNR1B المرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، مما يعني أن تناول الطعام في وقت متأخر قد يزيد خطر هذا المرض الذي يشهد ارتفاعاً مستمراً عالمياً.
تتجاوز آثار الأكل المتأخر السيطرة على السكر في الدم. كشفت الأبحاث أن من يتناولون الطعام متأخراً يشعرون بجوع أكبر في اليوم التالي نتيجة اضطراب الهرمونات المنظمة للشهية. هؤلاء ينتجون كمية أقل من هرمون اللبتين الذي يخبر الدماغ بالشعور بالامتلاء. بالإضافة إلى ذلك، يؤثر توقيت الوجبات على كيفية تخزين الجسم للدهون. بدل تكسير الدهون، قد يدفع الأكل المتأخر الخلايا لتخزينها، مما قد يجعل من الصعب الحفاظ على وزن صحي مع مرور الوقت.
وجد فريق باحثين دولي في دراسة شملت نحو 1200 بالغ أن تناول الطعام في وقت متأخر ارتبط بمؤشر كتلة جسم أعلى لدى الأفراد الأكثر عرضة للسمنة، بينما أدى الأكل المبكر إلى تقليل هذا الخطر. وتتعدى الفوائد مسألة الوزن إلى صحة القلب والأوعية الدموية.
خلصت دراسة فرنسية شملت أكثر من 100 ألف شخص إلى أن من يتناولون الفطور في وقت متأخر أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. كما وجد الباحثون أن إطالة فترة الصيام الليلي من خلال تناول الطعام في وقت أبكر مساءً بدل تأخير الفطور ارتبطت بصحة أفضل للقلب. قد يكون ذلك مهماً خاصة للعاملين بنظام الورديات والمعرضين لما يسمى "اضطراب الإيقاع اليومي".
نمطك الزمني الشخصي - ما إذا كنت تستيقظ مبكراً أم تفضل السهر - يؤثر أيضاً على أوقات وجباتك وكيفية استجابة جسمك للطعام. الأشخاص الصباحيون يميلون إلى اتباع النمط الغذائي المتوسطي بشكل أكثر، بينما محبو السهر يؤخرون وجباتهم ويختارون أطعمة غنية بالطاقة في أوقات متأخرة. هؤلاء الليليون يصلون إلى ذروة حساسية الإنسولين في وقت أكبر، وأجسامهم تفرز الميلاتونين في وقت أكثر تأخراً، مما يجعلهم أكثر عرضة لضعف التحكم في الغلوكوز وزيادة الوزن.
تنصح الباحثة جيوفانا موسكوغيوري من جامعة نابولي بأن نكون أكثر انتباهاً لميلنا إلى تناول الطعام صباحاً أم مساءً، وأن من يتناولون الطعام متأخراً سيستفيدون من التدرج في تناول العشاء في وقت مبكر. يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضاً أن مدة النوم وجودته تؤثران في الجوع والرغبة في الأكل. المسجد الأقصى المباركان من النوم يزيد عرضتنا للإفراط في الأكل واختيار الأطعمة الغنية بالطاقة، مما قد يؤدي لزيادة الوزن.
توصي الخبراء بتناول الطعام في أوقات منتظمة، وتناول الكربوهيدرات الغنية بالألياف مثل الحبوب الكاملة والبقوليات والفاكهة في وقت أبكر من اليوم عندما يكون الجسم أكثر قدرة على معالجتها. أما في المساء فاختر وجبة خفيفة غنية بالبروتين. وتُنصح أيضاً بإدراج أطعمة تساعد على النوم مثل المكسرات والبذور ومصادر البروتين الغنية بالتريبتوفان مثل الدجاج والسلمون والتونة، إذ ثبت أن التريبتوفان يحسن جودة النوم.
ليس هناك وقت مثالي موحد للجميع، لكن الإجماع العلمي يشير إلى أن من الأفضل تناول أكبر وجباتنا في وقت أبكر من اليوم، وأن تكون وجبة المساء قبل موعد النوم بثلاث ساعات على الأقل.
اقرأ أيضًا:


