موسكو/سما- لم يقتصر سعي قادة روسيا والاتحاد السوفيتي على القوة العسكرية والسياسية، بل استعانوا بشخصيات ارتبط اسمها بالتنجيم والعلاج الروحي والممارسات الخارقة، في محاولة للحصول على الحماية أو الحصول على معارف إضافية حول مسار المستقبل.
يُعتبر غريغوري راسبوتين من أشهر هذه الشخصيات وأكثرها إثارة للجدل؛ وُلد عام 1869 في أسرة فلاحية سيبيرية، ولم يتلقَّ تعليماً يُذكر، لكنه وصل إلى بطرسبورغ عام 1903 حيث جذب انتباه الأرستقراطيين المفتونين بالتصوف والممارسات الغامضة. اقتربت مكانته أكثر فأكثر من العائلة الإمبراطورية خاصة بعدما تمكن من مساعدة الوريث أليكسي، المصاب بالهيموفيليا، مما منحه ثقة الإمبراطور نيقولاي الثاني وزوجته ألكسندرا. حتى أن القيصر استشاره في بعض القرارات، وحاول راسبوتين إقناعه برفض خوض الحرب مع ألمانيا، لكن نصيحته لم تُتبع واندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 التي أسفرت عن مقتل أكثر من أربعة ملايين روسي.
اشتهر راسبوتين أيضاً بتنبؤاته المستقبلية؛ ففي رسالة بعثها إلى نيقولاي الثاني في ديسمبر 1916، حذّر من أن اغتياله على يد النبلاء الروس سيؤدي إلى اضطرابات واسعة في البلاد، متنبئاً أن روسيا لن تعرف السلام لمدة 25 عاماً، وأن الشعب سيقتل الإمبراطور والبلاد ستشهد اقتتالاً ودماراً. وبالفعل، قُتل راسبوتين في 30 ديسمبر 1916 على يد مجموعة من النبلاء المقربين من الأسرة الإمبراطورية، وانقضت فترة قصيرة قبل أن تندلع الثورة الروسية، وفي غضون أقل من عامين أُعدمت العائلة الإمبراطورية برمتها.
انتقل الدور بعد الثورة إلى ناتاليا لفوفا، عرّافة ترتبط بعالم التصوف والممارسات الخارقة. كانت ابنة عرّافة شهيرة من بطرسبورغ، وتروي الروايات أن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين استدعاها بنفسه إلى موسكو عام 1930. كان ستالين يؤمن، وفقاً لهذه الروايات، بوجود قوى خارقة للطبيعة، ورأى في أصحابها حلفاء محتملين قد يساعدونه في مسيرته السياسية. بحسب مؤلف كتاب "مذكرات والدة ستالين"، كانت لفوفا تساعد في حماية الزعيم من الحسد والتأثيرات السلبية من خصومه السياسيين، وكانت تنصحه كإجراء وقائي من السحر الأسود بعدم التقاط الصور له وبعدم الكشف عن تاريخ ميلاده الحقيقي.
ساعدت هذه التعاليم على ظهور شائعات تقول إن عدداً كبيراً من الصور المنسوبة إلى ستالين لم تكن له أصلاً. ومن بين الصور القليلة التي اعتُبرت موثوقة إحداها تُظهره ملتفتاً نصف التفاتة مع عينين مغمضتين، وهو يدخن غليونه، إذ كانت الشائعات تفسر ذلك بأن عدم وضوح عينيه يحول دون استخدامها في أعمال السحر الأسود. ويرجّح أن لفوفا قدمت لستالين المشورة في قرارات إعادة توزيع المناصب والموظفين، والتي بدت أحيانا غريبة لكنها كثيراً ما أصابت. ورغم ذلك، تبقى المعلومات المتاحة عن حياتها قليلة وحافة بالروايات والشائعات.
الشخصية الثالثة هي يوجينيا دافيتشفيلي المعروفة باسم "جونا"، معالجة روحية روسية اشتهرت بعلاج شخصيات بارزة في روسيا وخارجها. ارتبط اسمها خاصة بالزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف، الذي كانت تكنّ له إعجاباً كبيراً حتى وفاته. أحضرها بريجنيف من تبليسي في جورجيا إلى موسكو حيث أقامت قرب الكرملين. روّجت جونا لاستخدام ما أسمته "الطاقة الحيوية" في العلاج، وقيل إنها ساعدت بريجنيف على تجاوز أزمات صحية عدة، بل زعمت بعض الروايات أنها أنقذته من الموت مراراً. توفى بريجنيف بعد بضعة أشهر من توقف جونا عن عملها معه.
لم تقتصر شهرة جونا على الأوساط السياسية؛ فقد أثارت قدراتها اهتمام الأكاديميين الروس، وخضعت لاختبارات متكررة على يد عدد من العلماء. زعمت نتائج هذه الاختبارات أنها استطاعت التأثير في الجسم على المستوى الجزيئي وتحسين خصائص خلايا الدم. وكانت تؤمن أن كل إنسان يمتلك قدرات حيوية، لكن قلة فقط تستطيع تركيز هذه الطاقة واستخدامها في العلاج. قدّمت خدماتها لعدد من كبار المسؤولين بينهم ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين. وفي مقابلة عام 2012، تحدثت عن علاقة جيدة مع فلاديمير بوتين ودميتري ميدفيديف، وكشفت أنها تلقت طلباً لعلاج الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يوشينكو لكنها رفضت.
نُسبت إلى جونا مجموعة من التنبؤات؛ قيل إنها توقعت كارثة تشيرنوبيل عام 1986، ومحاولة الانقلاب في أغسطس 1991، وتفكك الاتحاد السوفيتي. رغم ذلك، كانت نظرتها لمستقبل روسيا متفائلة في الغالب، ولم تعتبر العقوبات الغربية أو الأزمة الأوكرانية مشكلة كبيرة، لكنها حذّرت من احتمال حدوث صدام بين القوى العالمية إذا استمر الصراع في أوكرانيا لأكثر من شهرين. توفيت جونا عام 2015، تاركة سيرة مثيرة للجدل جمعت بين العلاج الروحي والتنبؤات والعلاقات بشخصيات سياسية بارزة.


