أزمة صحة نفسية

خبر : ارتفاع وفيات الانتحار في لبنان بنحو الثلث وسط تراكم الأزمات

الخميس 13 أغسطس 2026 08:18 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ارتفاع وفيات الانتحار في لبنان بنحو الثلث وسط تراكم الأزمات



وكالات /سما/

بيروت/سما- سجّلت لبنان ارتفاعًا حادًا في عدد الوفيات بالانتحار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. فقد انتقل العدد المسجّل من 38 وفاة خلال الفترة الممتدة من آذار إلى أيار 2025، إلى 50 وفاة خلال الفترة ذاتها من عام 2026، بما يمثّل زيادة بنسبة 32 في المئة، وفقًا لأرقام رسمية صادرة عن قوى الأمن الداخلي.

يأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه خطوط الدعم النفسي الوطنية ضغطًا متزايدًا. فالخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، الذي يعمل بالتعاون بين البرنامج الوطني للصحة النفسية وجمعية إمبرايس، بات يستقبل أكثر من 60 اتصالًا يوميًا، أي ما يقارب ضعف العدد المسجّل قبل بداية الحرب والأزمات الحالية. وتتحدث أغلبية المتصلين عن مشاعر اليأس والعجز والخوف من المستقبل وفقدان الأمل بتحسّن الأوضاع.

تؤكد عبير جمول، المعالجة النفسية والمشرفة على الخط الوطني الساخن، أن الأرقام المسجّلة قد تكون أقلّ من العدد الفعلي للوفيات بالانتحار في لبنان، نظرًا إلى الوصمة الاجتماعية والدينية التي تحيط بهذه الظاهرة وإخفاء عدد من العائلات للحالات. وتشير إلى أن نظامًا وطنيًا موحدًا لمراقبة الظاهرة لا يزال غير موجود في البلاد، بما يعرقل الحصول على صورة كاملة عن المشكلة.

على الصعيد الديموغرافي، تظهر البيانات أن الفئات الصغيرة السن تشكل نسبة كبيرة من الضحايا. ففي عام 2024، مثّل الأشخاص الذين تقلّ أعمارهم عن 39 عامًا حوالي 48 في المئة من الوفيات المسجلة، مع تركّز العدد الأكبر في الفئة العمرية من 23 إلى 32 عامًا. وفي عام 2023، من بين 168 شخصًا فقدوا حياتهم بالانتحار، كان 121 منهم تتراوح أعمارهم بين 13 و42 عامًا.

غير أن جمول تنبّه من التعامل مع هذه البيانات على أنها مؤشر على فئة واحدة معرضة للخطر بشكل مطلق. فالسلوك الانتحاري، بحسب قولها، يتشكّل من تفاعل عوامل متعددة نفسية واجتماعية واقتصادية وبيئية. والأشخاص الذين تعرضوا لخسارة أو نزوح أو عنف، وكذا من فقدوا مصادر دخلهم أو يعانون من ضغوط مالية أو عزلة اجتماعية أو أمراض نفسية مزمنة، يكونون أكثر هشاشة.

في السياق الأعم، تربط جمول ارتفاع الوفيات بالأزمات المتلاحقة التي يشهدها لبنان منذ سنوات. فالسكان مرّوا منذ عام 2019 بسلسلة من الأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، تلتها الحروب والنزوح والخسائر الفادحة، دون أن تتاح لكثيرين فرصة حقيقية للتعافي بين أزمة وأخرى. وقد أسفر هذا التراكم عن "إضعاف القدرة على التكيّف مع الضغوط وزيادة مشاعر الخوف وانعدام الاستقرار واليأس والعجز".

وتوضح آغاتا عبود، مديرة الخط الوطني الساخن، أن فقدان المنزل لا يقتصر على فقدان جدران، بل يتعدّاه إلى فقدان المكان الآمن والروتين والذاكرة والشبكة الاجتماعية للشخص. كما قد يقطع النزوح الشخص عن معالجه النفسي أو دوائه أو مركز الرعاية الصحية الذي كان يتابع فيه علاجه. أما فقدان العمل أو مصدر الدخل، فيترك تأثيرًا نفسيًا عميقًا يتجاوز الضيق المالي، حيث يستقبل الخط اتصالات من أرباب أسر يشعرون بالذنب والعجز عن تأمين احتياجات عائلاتهم.

على الصعيد التاريخي، تشير بيانات الخط إلى نمط متذبذب. فقد استقبل الخط 6,132 اتصالًا عام 2020، ارتفع إلى 12,481 اتصالًا عام 2022، ثم تراجع إلى 9,514 اتصالًا عام 2024 قبل أن يرتفع مجددًا إلى 12,515 اتصالًا عام 2025. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، تلقى 3,625 اتصالًا، وبات يستقبل أكثر من 60 اتصالًا يوميًا منذ آذار. وقد أسهم قرار مجلس الوزراء في آذار بجعل الاتصالات مجانية في زيادة الأعداد، إذ أزال هذا القرار عقبة كانت تحول دون وصول البعض إلى الخدمة.

يشكّل الشباب والشابات جزءًا كبيرًا من المتصلين بالخط. فقد شكّل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا بين 57 و66 في المئة من المتصلين خلال الأعوام من 2020 إلى 2022. وفي عامي 2023 و2024، بلغت نسبة من تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا حوالي 33 و29 في المئة على التوالي.

يعمل الخط الوطني الساخن على مدار الساعة، ويقدّم خدمة مجانية وسرية يديرها أكثر من 120 متطوعًا مدرّبًا تحت إشراف متخصصين في الصحة النفسية. يبدأ التعامل مع المتصل بالاستماع إليه من دون أحكام وبناء الثقة، ثم السؤال المباشر عن الأفكار الانتحارية وتقييم مستوى الخطر. وعندما يكون الخطر وشيكًا، يبقى المتطوع على الخط ويسعى إلى ضمان السلامة الفورية، مع محاولة إشراك شخص موثوق قريب من المتصل.

ولدى الجمعية فرق تدخل متنقلة تضم طبيباً وممرضًا متخصصين في الصحة النفسية، تعمل في بيروت وطرابلس وبعض مناطق جبل لبنان، وتستطيع التوجه إلى الشخص في الحالات الطارئة مع التنسيق مع جهات الطوارئ والقوى الأمنية والمستشفيات.

تشير جمول إلى علامات تستحق الانتباه والتدخل الفوري، منها الحديث عن الموت أو الانتحار، والتعبير عن اليأس، والقول إن الآخرين سيكونون أفضل من دون الشخص، والانسحاب المفاجئ من العائلة والأصدقاء، والتغيرات الحادة في المزاج والسلوك. وتؤكد أن السؤال المباشر والهادئ عن الأفكار الانتحارية لا "يزرع" الفكرة في ذهن الشخص، بل قد يساعده على الشعور بأنه مسموع ومفهوم.

أما أبرز العوائق أمام طلب الدعم فتشمل عدم معرفة أين يمكن الحصول عليه، والوصمة الاجتماعية، والخوف من أن يُنظر إلى الشخص على أنه ضعيف، إلى جانب كلفة الرعاية. وتدعو جمول إلى دعم تنفيذ الخطة الوطنية للصحة النفسية في لبنان وتعزيز الخدمات المجتمعية ومتابعة التوعية في المدارس والجامعات وأماكن العمل.

وتختصر عبود رسالة الخط بالقول: "الأفكار الانتحارية في معظم الأحيان ليست رغبة في الموت، بل رغبة في أن يتوقف الألم. والفرق هنا حاسم، لأن الألم قابل للعلاج".

اقرأ أيضًا: