هناك لحظات لا يصبح فيها الصمت فضيلة، بل اعترافًا بالعجز. وهناك لحظات أخرى يصبح فيها الكلام نفسه عاجزًا عن إحداث أي أثر، ليس لأن الحقيقة غائبة، ولا لأن الوقائع ملتبسة، وإنما لأن أصحاب القرار لم يعودوا يرون في الإنسان أولويتهم، ولم تعد المأساة كافية لإيقاظ مراجعة، أو تحريك ضمير، أو تغيير مسار.
على مدار ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب، لم يكن ينقص شعبنا التحذير، ولا النصح، ولا المبادرات، ولا المقالات، ولا الأصوات التي دعت إلى تغليب العقل على المكابرة، والإنسان على الحسابات، والوطن على المصالح الفصائلية. كتبنا حتى أرهقنا القلم، وخاطبنا العقول قبل العواطف، مؤمنين بأن الكلمة مسؤولية، وأن المثقف لا يملك رفاهية الصمت عندما يُسحق شعبه، وأن وظيفة القلم ليست ملاحقة التصفيق، بل ملاحقة الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
لم تكن الكتابة ترفًا فكريًا، ولا منافسة في التحليل السياسي غير المحبب للناس، ولا محاولة لإثبات صحة موقف على حساب آخر. كانت محاولة للدفاع عن حق الإنسان الفلسطيني في الحياة، وعن حقه في ألا يتحول إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار أو صورة جديدة في سجل المآسي المفتوح. وكانت أيضًا دعوة متكررة إلى أن حماية المجتمع ليست خيارًا تفاوضيًا، بل الشرط الأول لبقاء أي مشروع وطني، وأن مصلحة الشعب يجب أن تظل المعيار الذي تُقاس به كل السياسات والقرارات.
لكن، بعد كل هذا الوقت، ماذا كانت النتيجة؟ ما زالت الحرب تمتد، وما زالت المأساة تتعمق، وما زال الإنسان الفلسطيني يدفع الثمن وحده، بينما تستمر الأطراف المختلفة في إدارة صراعاتها وحساباتها ومفاوضاتها التي لم تنجح حتى الآن في وقف نزيف الدم أو فتح أفق حقيقي للخلاص. وكأن المجتمع أصبح هامشًا في معادلة السلطة، لا غايتها، وكأن حماية الإنسان لم تعد المعيار الذي تُوزن به القرارات.
لقد تغيّر كل شيء حولنا. تغيّرت موازين القوى، وتغيّرت أولويات الإقليم، وتغيّرت حسابات المجتمع الدولي، وتغيّرت غزة حتى كادت تفقد ملامحها، بينما بقي جزء كبير من الخطاب السياسي أسير مفرداته القديمة، وكأن الزمن توقف، وكأن هذا القدر الهائل من الدم والدمار لم يكن كافيًا لفرض مراجعة حقيقية، أو إعادة تقييم للمسارات التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة.
المؤلم ليس أن يختلف الناس في السياسة؛ فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة السياسية. المؤلم أن يصبح الإنسان هو الخاسر الوحيد في كل مرة، وأن تتحول مصلحة الشعب إلى تفصيل صغير أمام حسابات القوى المتنافسة. هنا، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بقي من المجتمع، ومن مقدراته، ومن عوامل صموده، حتى نستمر في الحديث عن الانتصارات؟
لقد اكتشفنا، بعد كل هذه السنوات، أن المشكلة لم تكن في غياب النصيحة، ولا في نقص التحذيرات، وإنما في أن القرار أصبح أسير منطق البقاء السياسي، بينما أصبحت كلفة المجتمع مقبولة لدى من يتخذ القرار. فالقرار الذي يطيل أمد المأساة ليس قرارًا مجردًا، بل قرار يدفع ثمنه أطفال فقدوا طفولتهم، وأمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وشباب أصبح مستقبلهم معلقًا بين النزوح والانتظار، ومجتمع كامل بات يكافح من أجل البقاء.
في السياسة، قد يخطئ الجميع، لكن القادة الحقيقيين هم أولئك الذين يملكون شجاعة الاعتراف بالخطأ عندما يصبح ثمن الاستمرار فيه شعبًا بأكمله. أما الإصرار على السياسات ذاتها، رغم تبدل الواقع ورغم الكلفة الإنسانية غير المسبوقة، فليس صلابة سياسية، بقدر ما هو عجز عن رؤية الحقيقة كما هي. ولعل أكثر ما يؤلم اليوم أن الكلمات نفسها فقدت قدرتها على التأثير. ليس لأن الحقيقة لم تعد واضحة، بل لأن الحقيقة أصبحت أقل أهمية من المصالح التي تحكم المشهد. ولذلك، يبدو القلم أحيانًا وكأنه يكتب في الفراغ، ويخاطب أبوابًا مغلقة، ويعيد الأسئلة ذاتها دون أن يجد من يملك الشجاعة للإجابة. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الإحباط سببًا للتخلي عن الكلمة. فالتاريخ يعلمنا أن الكلمة الصادقة لا تُقاس بنتائجها الآنية، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي. قد لا توقف حربًا، لكنها تحفظ الحقيقة من التشويه، وتمنع الأجيال القادمة من القول إن الجميع اختاروا الصمت.
ربما لم يعد للكلام أثر مباشر في أصحاب القرار، لكنه يبقى ذا معنى عند الناس الذين يستحقون أن يعرفوا أن هناك من حاول، ومن قال الحقيقة كما رآها، ومن رفض أن يساوم على ضميره في زمن كثرت فيه الحسابات وقلّت فيه المراجعات. لسنا بحاجة اليوم إلى مزيد من الخطب، ولا إلى شعارات جديدة، ولا إلى تبريرات إضافية. ما يحتاجه شعبنا هو شجاعة سياسية وأخلاقية تعيد الإنسان إلى مركز القرار، وتجعل إنهاء المأساة أولوية لا تسبقها أي أجندة أخرى. فالأوطان لا تُبنى بإثبات صحة المواقف، بل بحماية الناس، ولا قيمة لأي انتصار يُكتب فوق أنقاض مجتمع أنهكته الحرب، ولا معنى لأي خطاب إذا كان ثمنه استمرار الموت.
وحين يصبح الكلام بلا أثر، لا يكون ذلك إعلانًا عن هزيمة الكلمة، بل شهادة إدانة لكل من امتلك القرار، ورأى شعبه ينزف يومًا بعد يوم، ثم اختار أن يسمع كل شيء... إلا صوت المأساة.


