في 4 حزيران الجاري، صادق الرئيس محمود عباس على النظام الانتخابي للمجلس الوطني بعد اعتماده من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. من الصعب فصل الإعلان عن موعد انتخابات المجلس الوطني المنوي عقدها مطلع شهر تشرين الثاني القادم عن تطورات بدأت مع نهاية العام 2024، خلال حرب غزة، وموجة الدعوات الدولية والتوجه للاعتراف بالدولة الفلسطينية. يتتبع هذا المقال هذه التطورات الدبلوماسية والسياسية، والخطوات الفلسطينية العملية التي جاءت في سياقها، في محاولة لفهم الواقع الحالي في الساحة الفلسطينية.
في النصف الأخير من العام الماضي، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كبيرة على إعلان نيويورك، الذي قامت فرنسا والسعودية بصياغته، في نهاية مؤتمر عقد بسبب تدهور الأوضاع السياسية والميدانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وركز على إدانة حركة حماس بعد أحداث السابع من أكتوبر، وربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بإصلاح سلطتها. واقترنت تلك التطورات بالرفض الإسرائيلي المطلق الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتسوية السلمية للصراع والإنهاء الفعلي للاحتلال، رغم اعتراف ثلاثة أرباع دول العالم بالدولة الفلسطينية. جاءت فكرة عقد مؤتمر نيويورك من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم A/RES/79/81 الصادر في 3 كانون الأول 2024، الذي وضع إطار عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى بشأن فلسطين وحل الدولتين. وجاءت رسالة الرئيس الفلسطيني في إطار تلك التطورات والحراك الدبلوماسي والسياسي، في 9 حزيران من العام 2025. قال الرئيس في رسالته: «الدولة الفلسطينية المستقبلية غير عسكرية، وتعهد بمواصلة إصلاح السلطة الفلسطينية، معلنا عن نيته تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عام، تحت إشراف دولي لضمان نزاهتها.
يمكن رصد مجموعة من الخطوات المرتبطة زمناً بالسياق السياسي والدبلوماسي لقرار الجمعية العامة ومؤتمر نيويورك، التي قام بها
الرئيس عباس، وصولاً للإعلان الأخير عن موعد انتخابات المجلس الوطني، وقانون الأحزاب المتوقع الإعلان عنه قريباً أيضاً.
فقد أصدر الرئيس محمود عباس في 10 شباط 2025 مرسوماً بقانون ألغى بموجبه المنظومة القانونية الناظمة لمخصصات الأسرى والشهداء والجرحى بصيغتها السابقة، على أساس معايير الرعاية الاجتماعية والحاجة الاقتصادية بدلاً من المعايير المرتبطة بمدة الاعتقال أو الوضع التنظيمي للأسرى والمعتقلين. صدرت مواقف إيجابية من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، التي اعتبرت القرار مؤشراً على جدية السلطة الفلسطينية في تنفيذ إصلاحات مؤسسية ومالية، بينما وصف عدد من مؤسسات الأسرى وفصائل فلسطينية القرار بأنه يمسّ بالمكانة القانونية والسياسية للأسرى. وبحلول صيف 2025، أصبح هذا الملف أحد أبرز الأمثلة التي استندت إليها الدول المشاركة في مؤتمر نيويورك عند الحديث عن «الإصلاحات الفلسطينية الجارية».
وصدر مرسوم رئاسي لتشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت بتاريخ 16 آب 2025. ونص المرسوم على تشكيل لجنة وطنية لصياغة الدستور المؤقت بهدف الانتقال من وضع السلطة إلى وضع الدولة، بما ينسجم مع وثيقة إعلان الاستقلال والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ربطت الرئاسة الخطوة بالاستعدادات للمؤتمر الدولي الخاص بتنفيذ حل الدولتين، وبالتحضير لانتخابات عامة مستقبلية بعد انتهاء الحرب وتولي الدولة الفلسطينية مسؤولياتها في غزة. صدر قرار رئاسي في 10 شباط 2026 بنشر مسودة الدستور المؤقت للاطلاع العام، ودعوة المواطنين والخبراء والمؤسسات والقوى السياسية لتقديم ملاحظاتهم خلال 60 يوماً. جاءت تشكيلة لجنة صياغة الدستور في ظل انقسام حزبي صارخ، وعدم وجود برلمان، أي الإطار الشرعي القادر على احتواء هذا النوع من الانقسام. ويبدو جلياً أن هناك تعقيدات قانونية تتعلق بعملية إقرار مسودة الدستور، خصوصاً وأن المادة الأخيرة منها تربط ذلك بقرار من الرئيس، في ظل غياب جهاز قانوني يقر الدستور، قبل ذهابه للاستفتاء الشعبي. وتعد إشكالية غموض العلاقة بين الدولة الناشئة بفعل هذا الدستور المؤقت ومنظمة التحرير من أهم وأعقد بنوده، خصوصاً عندما يتم النظر إليها في ظل الإعلان الأخير عن انتخابات المجلس الوطني، التي لم تعقد قط، بدلاً من الإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي عقدت آخرها قبل عقدين.
كما أصدر الرئيس قراراً بقانون رقم 23 لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، معدلا فيه التشريع الذي جرى العمل به منذ العام 2005. جرت الانتخابات المحلية منذ الانقسام الفلسطيني في العام 2007، ثلاث مرات، في الأعوام 2012 و2017 و2022، وفق تشريع العام 2005، بالتمثيل النسبيّ بالقوائم المغلقة، وفق اختيار الناخب قائمة فقط، وتوزع المقاعد على المرشحين حسب ترتيبهم داخل القائمة. غيّر قانون 2025 جوهر النظام السابق، فاعتمد للبلديات التمثيل النسبي بقوائم مفتوحة؛ يختار الناخب من بينها قائمة واحدة، ويمكنه اختيار حتى خمسة مرشحين من داخلها، وجاء بالنسبة للمجالس القروية وفق الترشح الفردي ونظام الأغلبية، لا قوائم، وجرى خفض سن الترشح إلى 23 عاما، ووضع شرطا للمرشحين بإقرار سياسي جديد يفيد بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية. وجرت الانتخابات فعلياً في 183 هيئة منها 90 مجلسا بلديا و93 مجلسا قرويا. إلا انه سجل خلالها ارتفاع نسبة التزكية وضعف التنافس. وتم توجيه انتقادات تتعلق بالشرط السياسي غير المسبوق المتعلق بالإقرار بمبادئ منظمة التحرير.
وعدّل المؤتمر الثامن لحركة فتح أثناء انعقاده الشروط التي تتعلق بالمرشحين، ما وسّع عددهم. فلم يعد هناك معيار محدد للترشح، باستثناء معيار السن الذي تحدد بـ 27 عاماً للمجلس الثوري و33 عاماً للجنة المركزية، وهو ما اختلف عن الصيغة التنظيمية التقليدية التي تشترط سنوات عضوية وتدرجاً تنظيمياً.
في 4 حزيران الجاري، صادق الرئيس على النظام الانتخابي للمجلس الوطني بعد اعتماده من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وينص على انتخاب 350 عضواً، منهم 200 للداخل و150 للخارج، على أن يُنتخب ممثلو الأراضي الفلسطينية ومناطق الشتات عبر الاقتراع المباشر، وفق نظام القوائم والتمثيل النسبي الكامل والدائرة الانتخابية الواحدة التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مع نسبة حسم تبلغ 1%. وحدد القانون سن المرشحين 23 عاماً، كحد أدنى، ونسبة مشاركة المرأة 30%. ويشترط الاعتراف بـ»منظمة التحرير» وبرنامجها السياسي وبألا تكون للأحزاب أجنحة عسكرية أو ارتباطات خارجية.
قامت اللجنة التنفيذية للمنظمة بوضع النظام الانتخابي للمجلس الوطني، رغم أن من يملك حق وضع وإقرار انتخابات هذا المجلس هو المجلس ذاته، وليس اللجنة التنفيذية. ينص النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على أن المجلس الوطني هو السلطة العليا لمنظمة التحرير، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها. ينص النظام الانتخابي على أن أعضاء مجلس النواب المنتخبين يعدون أعضاء في المجلس الوطني خلال مدة ولايتهم، وتُحتسب عضويتهم ضمن المقاعد المخصصة لتمثيل الأراضي الفلسطينية، دون زيادة في العدد الإجمالي لأعضاء المجلس الوطني. وفي حال إجراء انتخابات متزامنة لمجلس النواب والمجلس الوطني، تشغل المقاعد المخصصة للأراضي الفلسطينية حكماً بأعضاء مجلس النواب المنتخبين. اعتبر ممثلون رسميون أن النظام الانتخابي قد نظم العلاقة بين مجلس النواب الفلسطيني والمجلس الوطني على أساس التكامل الوظيفي والتنسيق المؤسسي، مع الحفاظ على استقلالية كل منهما واختصاصاته.
يأتي ذلك الإعلان مختلفاً عما ورد في المرسوم رقم (3) لسنة 2021، بشأن الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، اعتبرت المادة 2 أن الانتخابات التشريعية تشكل المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني، على أن يستكمل تشكيل المجلس الوطني، وفق ما جاء في المادة 3 من المرسوم، في 31/ 8/ 2021، وفق أحكام المادة 5 من النظام الأساسي لمنظمة التحرر. وتنص أحكام تلك المادة على أن «ينتخب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني بموجب نظام تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية»، وتضيف المادة 6 من ذات النظام، إنه «إذا تعذر إجراء الانتخابات يستمر المجلس الوطني قائماً إلى أن تتهيأ ظروف الانتخابات». خلال الدورة الحادية والعشرين للمجلس في مدينة غزة، العام 1996 جرى انتخاب سليم الزعنون رئيسا، واعتبار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني جزءا من حصة الأراضي المحتلة فيه. هذه هي المرة الأولى التي ستُجرى فيها انتخابات للمجلس الوطني.
شكلت منظمة التحرير تاريخيا إطارا ائتلافيا واسعا يستوعب مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والوطنية، فكان أعضاؤه يأتون بالتعيين وفق نظام الحصص، ربع للفصائل وربع للعسكر وربع للاتحادات الشعبية وربع للمستقلين. يتعامل النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني مع العملية السياسية بمنطق انتخابي تقليدي يشبه الانتخابات البرلمانية في الدول المستقلة. إن ذلك يعكس تحولا في فهم وظيفة المجلس الوطني نفسه، التي يفترض أن يمثل قيادة سياسية لحركة تحرر وطني. إن ذلك التغير يتقاطع من تغير سابق أصاب حركة فتح، التي تحولت تدريجياً من حركة تحرر وطني إلى حزب السلطة الحاكم.
يعكس النظام الجديد لانتخابات المجلس الوطني حالة من الخلط الوظيفي بين المجلس الوطني ومجلس النواب، أو المجلس التشريعي سابقا، رغم أنه جرى التعامل مع نتائج الانتخابات السابقة ضمن ذلك المنظور، باعتبار أعضاء المجلس التشريعي، جزءاً من أعضاء الوطني، إلا أن ذلك جاء في ظل فصل واضح بين المجلسين ودورهما وتمثيلهما، وهو ما يفتقده الوضع الحالي.
يحكم الواقع الحقيقي مسار هذه العملية الانتخابية في معظم دول الشتات، بعدم إمكانية إجرائها بشكل حقيقي ومتكامل، ما يرجح اللجوء إلى صيغ توافقية، باعتماد صيغة «الانتخاب حيثما أمكن والتوافق حيثما لا يمكن إجراء الانتخابات». ويدعم ذلك التوجه عدم إنجاز حتى الآن عملية إحصاء شاملة ودقيقة للفلسطينيين في الخارج، ما يجعل من الصعب تحديد الهيئة الناخبة ومعرفة أعداد المؤهلين للمشاركة في الانتخابات. كما يمثل التحدي في تعدد أماكن وجود الفلسطينيين، واختلاف الظروف السياسية والقانونية والأمنية التي تحكم كل تجمع منها، سؤالا جدياً حول إمكانية إجراء انتخابات ذات مغزى في الخارج. كما تعد عملية الانتخابات في القدس من بين القضايا المعقدة، خصوصا بعد رفض إسرائيل مشاركة المقدسيين في الانتخابات العامة في العام 2021، وتم التحجج بذلك لتأجيل تلك الانتخابات. ولا يبدو الوضع، اليوم، أفضل، بل في الحقيقة أشد سوءاً في ظل تعقد الوضع الميداني في غزة، بعد احتلال 70% من أرضها، ومواصلة جيش الاحتلال استهداف المدينين والتدمير فيها.
لم يكن إعلان نيويورك مجرد بيان سياسي، بل جاء في جوهره معادلة سياسية محددة أو صفقة بين ثلاثة أطراف، هي المجتمع الدولي، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل، ما يعني أن نتائجها لن تتحقق إلا بتكامل العمل من قبل أطرافه. وترفض إسرائيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وترفض فكرة حل الدولتين، ولا تكتفي بمواصلة احتلالها للأراضي الفلسطينية، بل تواصل ممارسة سياسات القمع والعقاب الجماعي ومصادرة وضم أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتدمير غزة، في حقبة تعد الأصعب على السكان الفلسطينيين في الضفة وفي غزة. ويربط الاتحاد الأوروبي دعمه للسلطة بإصلاحات محددة، فقد أكدت وثيقة المفوضية الأوروبية في العام 2025 على أن دعمها المباشر سيُقدَّم وفق تنفيذ السلطة لإصلاحات متفق عليها في «مصفوفة إصلاح» مشتركة، تشمل المالية العامة، والحوكمة، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحرية التعبير، ومناخ الاستثمار، والخدمات الأساسية. ورغم تخصيص الاتحاد الأوروبي دعماً كبيراً للفلسطينيين يصل إلى 1.6 مليار يورو، إلا انه دعم متعدد السنوات ومشروط بمصفوفة إصلاحات مرتبة بالإصلاحات والشفافية والاستدامة المالية، والخشية من ضخ أموال دون آلية رقابة واضحة، وانتظار ترتيبات سياسية وأمنية أوضح لغزة والضفة. وتأتي إصلاحات الرئاسة الفلسطينية ضمن ذات المعادلة لتقدم مقاربة ثالثة، تعكس رؤيتها الخاصة، فهل تكفي في ظل كل المفارقات السابقة، وعدم التفاهم مع الأطياف الفلسطينية المتعددة الأخرى؟.


