لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟! عماد الدين حسين

الإثنين 08 يونيو 2026 10:33 ص / بتوقيت القدس +2GMT
لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟! عماد الدين حسين



هل كان في إمكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل الهدنة الحالية أن يحسم الأمر عسكرياً مع إيران وينهي الأمر تماماً بإسقاط النظام الإيراني والحصول على اليورانيوم المخصب وتفكيك المنشآت النووية؟
الإجابة هي لا قاطعة، فلو كان بإمكانه ذلك ما تردد ولو لثانية واحدة، فهو ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ليس معروفاً عنهما الرحمة أو الإنسانية أو الاعتراف بالقوانين الدولية.
وبالتالي، فأغلب الظن أو الوضع الراهن؛ أي حالة اللاحرب واللاسلم والهدنة سوف تستمر معنا طويلاً. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق سيكون هشاً ويقود إلى استئناف الحرب بصورة أو بأخرى بعد شهر أو سنة أو عدة سنوات.
ترامب خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه، ويهدد الجميع كل يوم. هدد كندا محاولاً ضمها لأميركا، وهدد الدنمارك بضم جزيرة غرينلاند، وهدد الاتحاد الأوروبي بالرسوم الجمركية، وهدد دول حلف شمال الأطلسي بأنه سيتركها كي تلتهمها روسيا إذا لم تزد من مساهمتها في ميزانية الحلف، وشن الحرب مرتين على إيران وهدد بمحو حضارتها ويهدد الآن كوبا.
هو هدد سلطنة عُمان بالتفجير إذا نسقت مع إيران في فرض رسوم على مضيق هرمز، ولم يكترث للهجمات الإيرانية على الكويت، وضحى بمصالح دول الخليج من أجل عيون إسرائيل.
أما نتنياهو فيتفاخر دائماً بقانون القوة، دمر قطاع غزة، ويفعل الأمر نفسه في جنوب لبنان، واحتل المزيد من الأراضي السورية، وهاجم اليمن أكثر من مرة. ويتحدث علناً عن إعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة وصولاً إلى «إسرائيل الكبرى من النيل للفرات».
هذه هي الخلفية الأساسية لترامب ونتنياهو. والسؤال مرة أخرى: ما الذي دفع ترامب لوقف الحرب ــ حتى ولو بصورة مؤقتة، والدخول في مفاوضات مستمرة مع إيران منذ ٨ نيسان الماضي وحتى الآن؟
الإجابة ببساطة لأنه اكتشف أن الحل العسكري لم يحقق أهدافه، فرغم أنه وجّه ضربات عسكرية شديدة الإيلام لإيران، لكن نظامها لم يسقط، بل ازداد تصلباً مقارنة بحالته قبل بدء الحرب.
العديد من المحللين الأميركيين والغربيين يتحدثون علناً عن ترامب - إذا استمر الوضع على ما هو عليه - سيتلقى هزيمة إستراتيجية في إيران، قد تكون لها آثار مهمة على وضع بلاده ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في العالم أجمع.
لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة أقوى قوة عسكرية على الإطلاق في العالم، وأن ميزانيتها العسكرية تزيد على تريليون دولار، وهو مبلغ يساوى ضعفَي إنفاق كل دول حلف الناتو. وصحيح أنها الأكثر تقدماً تكنولوجياً.
ولا أحد ينكر أيضاً القوة العسكرية الإسرائيلية المتقدمة، والتي تحصل على دعم أميركي دائم يتيح لها استمرار تحقيق التفوق النوعي على غالبية دول المنطقة.
كل ما سبق صحيح، لكن الأصح أن الحرب الأخيرة كشفت دروساً مهمة، وهي أن القوة العسكرية مهما بلغت شدتها وتفوقها تظل عاجزة بمفردها عن تحقيق النصر المستدام، إذا لم تصاحبه نتائج سياسية على الأرض.
وبالتالي، فإن السبب الأساسي الذي دفع ترامب إلى قبول الهدنة والدخول في مفاوضات صعبة مع إيران، وعدم استئناف الحرب بصورة شاملة، هو إدراكه أن إيران صارت تملك أوراقاً إستراتيجية مهمة، منها ورقة مضيق هرمز الذي يمر منه خمس استهلاك العالم من النفط، وبسبب إغلاقه ارتفعت أسعار النفط مما متوسطه ٦٥ ــ ٧٠ دولاراً للبرميل إلى ما متوسطه 105 دولارات طوال معظم الفترة من ٢٨ شباط حتى الآن.
هذه النقطة تحديداً هي الهاجس الأكبر الذي يشغل ترامب ليس حباً في غالبية دول العالم التي تعانى من ارتفاع أسعار الوقود، ولكن لأنها ارتفعت في أميركا بنسبة ٤٥٪ على الأقل، ما قد يؤثر بصورة سلبية على فرص الحزب الجمهوري الأميركي في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الخريف المقبل، علماً أن القاعدة الجمهورية المؤيدة لترامب بدأت في التململ والتراجع بفعل عدم حسم الحرب في إيران.
ما يتبلور الآن في أميركا أن نتنياهو قد حشر ترامب في ورطة شديدة، وما لم تحدث معجزة تُخرج ترامب من هذه الورطة، فالمؤكد أنه لن يحقق النصر الساحق الذي يحلم به، والمؤكد أكثر أن نتنياهو سيكون المتضرر الأكبر من أي اتفاق بالشكل الراهن بين أميركا وإيران. ولذلك فإنه سيسعى بكل الطرق والحيل إلى تعطيل هذا الاتفاق، أو قبوله شكلاً والالتفاف عليه وتخريبه بوسائل كثيرة بمساعدة من اللوبي الصهيوني في أميركا والغرب.