في عهد الرئيس ترامب لم تعد إسرائيل تجلس في الهامش بانتظار القرارات الأميركية، بل أصبحت في المركز تصنع هذه القرارات.
وهي لم تعد تسعى إلى منع التعارض بين سياساتها والسياسات الأميركية، بل هي أصبحت قادرة على تشكيل السياسات الأميركية في المنطقة لدرجة يمكننا معها القول بثقة إن جميع سياسات الولايات المتحدة الشرق أوسطية هي سياسات إسرائيلية. وبعبارة أكثر دقة، لم تعد أميركا تمتلك سياسات خاصة بها في الشرق الأوسط بعيداً عن إسرائيل. دعونا نفصل ذلك بالأدلة والملاحظات.
على الصعيد الفلسطيني أسقط ترامب مبدأ «الأرض مقابل السلام» بشكل كامل في ولايته الأولى باعترافه بالسيادة الإسرائيلية على القدس ونقله للسفارة الأميركية لها، وهو قدم مشروع صفقة القرن الذي قام صهره، جاريد كوشنر، بوضع تفاصيله مع دولة الاحتلال وفيه تضم الأخيرة أكثر من 40٪ من أراضي الضفة الغربية.
وعندما رفض الشعب الفلسطيني المقترح، توقفت أميركا عن تقديم أي مبادرات لإنهاء الصراع أو حتى لإدارته، تاركة لإسرائيل اتخاذ ما تراه من إجراءات لتقرير مصير الشعب الفلسطيني.
وعلى الصعيد العربي، اعترف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، ثم قام بالتركيز على تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية (الاتفاقات الإبراهيمية) لا على قاعدة الأرض مقابل التطبيع والسلام وإنما على قاعدة التطبيع والتعاون الأمني مقابل الازدهار الاقتصادي.
وفي عهد بايدن، تم التأسيس لربط دول الخليج العربي بشكل اقتصادي بإسرائيل عن طريق مشروع الطريق الذي يربط الهند بأوروبا والذي يمر عبر إسرائيل «الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي»، بحيث تصبح دول الخليج مُعتمدة في تجارتها الخارجية على إسرائيل دون أن يتم ربط ذلك بتخلي الأخيرة عن احتلالها للأراضي العربية.
وبعد طوفان الأقصى، تبنت الولايات المتحدة كلياً السياسات الإسرائيلية.
في فلسطين حاولت إدارة بايدن بداية إجبار مصر على فتح حدودها لتهجير الفلسطينيين كما تريد إسرائيل.
وقام ترامب بتقديم المشروع ذاته ولكن هذه المرة بوقاحة أكبر لمصر والأردن، وبعد الفشل في ذلك، تحول إلى تنفيذ أهداف إسرائيل المعلنة: فصل غزة عن الضفة، تشكيل إدارة مستقلة لها بمعزل عن السلطة في الضفة وتحت سيطرة مجلس يسمى زوراً مجلس السلام تتخذ فيه إسرائيل ما تريد من قرارات مُستخدمة اسم ترامب، بما في ذلك إبقاء الباب موارباً أمام خيار تهجير الفلسطينيين من غزة إذا توفرت الفرصة لذلك.
وفي سورية ولبنان لم تعارض إدارة ترامب احتلال إسرائيل لأراضٍ جديدة في كلا البلدين لتحويلهما لحزام أمني إسرائيلي، بل إن الولايات المتحدة تمارس الضغوط عليهما للتطبيع مع دولة الاحتلال والتعاون الأمني معها كما نلاحظ في الاتفاق الأخير بين الدولة اللبنانية وإسرائيل قبل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية أو السورية.
أما الحرب على إيران، فكما أوضحنا في الجزء الأول من هذا المقال، فلقد كانت إسرائيلية بالمطلق، ونضيف هنا إنها كانت كذلك ليس فقط من ناحية القرار ولكن لجهة التخطيط أيضاً.
وهو ما يمكن فهمه من أن الحرب بدأت بعمليات اغتيال واسعة فيها وهو مبدأ إسرائيلي تم تنفيذه سابقاً في غزة ولبنان واليمن.
ويمكن إضافة أيضاً ما قاله نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ومسؤولون أميركيون آخرون بأن دولتهم تقوم بالتنسيق بشكل شبه يومي مع إسرائيل بشأن إيران. بمعنى أن المفاوضات لا تتم فقط بين إيران وأميركا، ولكن إسرائيل هي طرف مؤثر فيها.
هذا التحول في السياسة الأميركية من كون فلسطين جزءا من السياسة الداخلية الإسرائيلية، إلى أن الشرق الأوسط بكامله أصبح مسألة إلى حد بعيد تقرر فيها إسرائيل.
أو بتعبير أقرب إلى الدقة، انتقال إسرائيل من الهامش إلى المركز في صناعة القرار السياسي الأميركي في الشرق الأوسط، قد تمت مأسسته في عهد الرئيسين بايدن وترامب، ويمكن الاستدلال على ذلك بالكثير من الشواهد لعل أهمها:
وفي الأخيرة من ولاية ترامب الأولى تم نقل إسرائيل من المركز الأميركي للقيادة الأوروبية إلى السينتكوم. وهو ما يعني أن إسرائيل أصبحت تتلقى المعلومات الأمنية والعسكرية حال وصولها وتشارك في نفس الوقت في صناعة القرارات الأميركية التي تترتب عليها. هذا يعني عملياً أن أميركا تخلت عن جزء من أوراق ضغطها على إسرائيل.
ثم أتبع الكونغرس الأميركي ذلك بتقديم المادة 224 في مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 (NDAA)، والتي تحمل اسم «مبادرة التعاون الدفاعي التكنولوجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل» وهذه المادة تهدف إلى تعميق التكامل الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل عبر تنسيق مشترك في مجالات مثل البحث والتطوير، الإنتاج المشترك للأسلحة، الاختبارات العسكرية، التعاون الصناعي، التراخيص، وتبادل التكنولوجيا الدفاعية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، الأنظمة السيبرانية، الأنظمة ذاتية التشغيل، الحوسبة الكمية، والطاقة الموجهة.
وهو ما يعني أن إسرائيل لم تعد بحاجة للتجسس على أميركا للحصول على التكنولوجيا لأنها أصبحت في مركزها داخل الولايات المتحدة.
نضيف لذلك أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي تقول صراحة إن الولايات المتحدة تفضل في سياساتها الشرق أوسطية قيام شراكات إسرائيلية - عربية تحت المظلة الأميركية للدفاع عن منطقة الخليج، بدلاً من التدخل المباشر فيه، وهذا ما ظهر كما يبدو من التحالف الإماراتي - الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على إيران.
إن تصريح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الموجه لدول الخليج العربي بأن أميركا تريد شركاء وليس مَحميات، هو تعبير عن هذا التوجه الذي يهدف إلى بناء هذه الشراكات العربية مع إسرائيل بصرف النظر عن تكاليفها المرتفعة على العرب.
إن ما سبق يشير بوضوح إلى أن إسرائيل لم تعد مجرد طرف مؤثر في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، بل أصبحت جزءاً من مركز صناعة القرار نفسه.
وهذا لا يعني أن المصالح الأميركية قد اختفت، لكنها أصبحت تُصاغ من خلال الأولويات الإسرائيلية، بحيث تبدو الخلافات العلنية بين واشنطن وتل أبيب خلافات تكتيكية داخل إطار استراتيجي واحد، لا دليلاً على استقلالية السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.


