بعد أيام طويلة من الصمت من جانب المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، والذي كان بمثابة رفض لمسودة الاتفاق المتفق عليها بين إيران والولايات المتحدة، جاء رد فعل مضاد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثل في تشديد بنود الاتفاق.
ووفقًا لمصدر مطلع على الأحداث، كان ترامب غاضبًا لأنّه، والولايات المتحدة والعالم أجمع، كانوا ينتظرون من الحاكم الشاب، الذي تُوّج قائدًا بعد مقتل والده في الحرب التي أشعلها ترامب، أنْ يتحدث، بعد أنْ تمّ الاتفاق على صياغة المسودة من قبل الأطراف المعنية من كلا الجانبين.
أمس، أمر ترامب بإبلاغ الإيرانيين بأنّه سيُدخل عدة تعديلاتٍ على المسودة، ما يُعدّ تشديدًا فعليًا للبنود التي اتفق عليها مساعدوه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ويزيد تشديده للبنود من تعقيد المفاوضات المتعثرة أصلًا.
وفي تقريرٍ أعدّه الإعلاميّ الصهيونيّ، رونين بيرغمان، لصحيفتيْ (نيويورك تايمز) و (يديعوت أحرونوت)، فإنّه بحسب ثلاثة مصادر اطلعت على مسودة مذكرة التفاهم، فإنّ ما أعاق التقدم حتى الآن ليس صياغة الاتفاقية، بل انتظار موافقة خامنئي الابن. ووفقًا للمصادر نفسها، فقد توصل الأطراف الأربعة الرئيسية والمفاوضون، عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف من الجانب الإيرانيّ، وويتكووف وكوشنر من الجانب الأمريكيّ، إلى اتفاقٍ بشأن مذكرة التفاهم، وأكّدت المصادر نفسها أنّ هذه المذكرة ليست اتفاقًا نهائيًا ومفصلًا، بل هي وثيقة مبادئ تهدف إلى وقف الحرب وفتح باب مفاوضات جديدة للتوصل إلى اتفاق دائم وأوسع نطاقًا.
وأضافت المصادر “يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأنّ بعض التقارير في الولايات المتحدة عرضت المسودة وكأنّها تتضمن اتفاقًا مفصلًا وملزمًا بشأن الملف النوويّ الإيرانيّ”.
ووفقًا للمصادر الثلاثة التي اطلعت على الوثيقة، فإنّ هذا ليس صحيحًا، على الأقل حتى الآن، وعلى أيّ حالٍ، من غير المرجح أنْ ينجح ترامب في إقناع إيران بقبول التعديلات التي أدخلها، وقال أحد المصادر: “أعتقد أنّه يدرك ذلك أيضًا، وقد أجرى هذه التغييرات بدافع الإحباط من طول فترة الانتظار، ومحاولةً منه للضغط على مجتبى للردّ على المسودة الأصلية. ورغم إصرار الأمريكيين على ضرورة موافقة ترامب بعد موافقة مجتبى، إلّا أننّي أجد صعوبةً في تصديق أنّ الرئيس سيرفض أمرًا اتفق عليه ويتكوف وكوشنر، وهما أقرب مبعوثي ترامب وأكثرهم ولاءً وتنسيقًا”.
ووفقاً للمصادر، تتضمن مذكرة التفاهم ستة بنود رئيسية، أولها إنهاء الحرب، ليس فقط بين الولايات المتحدة وإيران، بل “بما في ذلك، وبشكلٍ خاصٍّ، لبنان”، وقد يكون لهذا البند أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل، لأنّه سيحدّ بسرعة من حرية تحركها ضد حزب الله.
وأفاد أحد المصادر بأنّ اطلاع إسرائيل على مسودة الاتفاق يُعدّ أحد أسباب تكثيفها لأنشطتها في لبنان خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لإظهار عزمها، وإبراز إنجازاتها أمام الرأي العام وقاعدة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السياسية، فضلاً عن استرضاء عناصر في الجيش تُطالب بفرض إجراءاتٍ أشدّ صرامة على حزب الله، حتى قبل أن يُغلق الاتفاق، إنْ تمّت الموافقة عليه أصلاً، هذه النافدة.
أما المكوّن الثاني فهو فترة 60 يومًا للتفاوض على اتفاقٍ نهائيٍّ، قابلة للتمديد بالتراضي، بعبارة أخرى، حتى في حال الموافقة على مذكرة التفاهم، فلن تُنهي الخلافات العميقة بين الطرفين، بل ستؤجلها إلى المرحلة التالية، وخلال هذه الفترة، من المفترض أنْ يناقش الطرفان القضايا الرئيسية: الملف النووي، والعقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة، وربما أيضًا ترتيبات إقليمية أوسع.
أما المكوّن الثالث فهو إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأمريكيّ، وبحسب أحد المصادر، ينص النص على إعادة فتح المضيق كما كان قبل الحرب.
وذكر مصدر آخر أنّ المسودة تشير صراحةً إلى “نفس عدد السفن يوميًا” كما كان قبل الحرب، ووفقًا للصياغة المذكورة، سيُفتح المضيق أولًا، وهي عملية ستستغرق وقتًا على أيّ حال، نظرًا للألغام التي زرعتها إيران هناك، وبعد ذلك بفترة، سيُرفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران تدريجيًا.
أمّا العنصر الرابع فهو البرنامج النوويّ الإيرانيّ، ولكن هنا، بحسب المصادر، فإنّ الصياغة عامة وغامضة، ولا تتضمن المسودة آلية تنفيذ واضحة لتفكيك القدرات النووية، ولا تُحدد مصير اليورانيوم المخصب، بل تنص فقط على أنّ مسائل “إزالة اليورانيوم المخصب” من إيران والتزام إيران بعدم إنتاج أسلحة نووية ستُناقش كجزء من الاتفاق النهائي.
وكشفت المصادر النقاب عن أنّ “المشكلة الرئيسيّة، التي ازدادت تعقيدًا، هي أنّ المسودة، رغم الاتفاق المسبق على مستوى القضايا والشروط، لم تحظَ بعد بموافقة مجتبى خامنئي”.
واختتم الإعلامي الصهيونيّ: “يكمن جوهر القصة في الفجوة بين التصريحات العلنيّة وما ورد في المسودة نفسها، حيث يعرض ترامب علنًا اتفاقًا تتخلّى بموجبه إيران عن أسلحتها النووية، ويُفتح مضيق هرمز، وتُزال الألغام البحرية، وتُدمر المواد المخصبة بالتنسيق مع الولايات المتحدة والصين والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن وفقًا لثلاثة أشخاص اطلعوا على المسودة، فإنّ الوثيقة المتفق عليها لا تتضمن معظم هذه التفاصيل، إنّها أقل إلزامًا، وأكثر عموميةً، والأهّم من ذلك أنّها تنقل النقاش الشائك إلى المرحلة التالية”، على حدّ تعبيرها.


