حين تتحول التحليلات السياسية إلى خطاب رغائبي: أزمة قراءة السلوك الإسرائيلي ..جمال خالد الفاضي

الأحد 31 مايو 2026 10:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
حين تتحول التحليلات السياسية إلى خطاب رغائبي: أزمة قراءة السلوك الإسرائيلي ..جمال خالد الفاضي



المتابع للفضائيات العربية وضيوفها من فئة المحللين السياسيين، يثير لديه كثير من التساؤلات، ليس فقط حول طبيعة التحليل المقدم، بل حول مدى ارتباطه أصلًا بأي إطار منهجي أو معرفي في فهم السياسة الدولية وسلوك الدول. فجزء واسع من الخطاب التحليلي بات أقرب إلى الانفعال والرغبة النفسية منه إلى القراءة العلمية لموازين القوة والتحولات الاستراتيجية. إذ يكاد المشاهد يسمع يوميًا تفسيرات تختزل السلوك الإسرائيلي كله في شخصية نتنياهو، أو تربط كل فعل عسكري وأمني إسرائيلي بحالة ارتباك أو مأزق داخلي، وكأن دولة مثل إسرائيل، وهي تمتلك واحدة من أكثر المنظومات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية تطورًا في العالم تتحرك فقط بدافع الأزمة أو الخوف أو الجنون السياسي.

هذا النوع من المقاربات لا يعكس فقط خللًا في فهم إسرائيل، بل يكشف أزمة أعمق تتعلق بطريقة قراءة السياسة والصراع والقوة داخل جزء معتبر من الخطاب الإعلامي العربي المعاصر. فالكثير من التحليلات التي تملأ الشاشات والبرامج السياسية باتت أقرب إلى خطاب نفسي يبحث عن الطمأنة المعنوية أكثر من كونه تحليلًا سياسيًا يستند إلى مناهج علمية لفهم سلوك الدول والقوى الفاعلة في النظام الدولي.

المشكلة الأساسية أن جزءًا معتبرًا من هذه القراءات يقوم على شخصنة السلوك الإسرائيلي واختزاله في بنيامين نتنياهو أو في أزمات الحكومة الإسرائيلية الداخلية، وكأن ما يحدث هو مجرد انعكاس لأزمة رجل يريد الهروب من المحاكمة أو الحفاظ على مستقبله السياسي. وبذلك يتم تجاهل البنية الأعمق للدولة الإسرائيلية، كدولة دينية، وطبيعة العقيدة الأمنية الحاكمة، والتحولات البنيوية في البيئة الإقليمية والدولية التي سمحت لإسرائيل بإعادة تعريف موقعها ودورها وأدوات قوتها.

هذا النوع من التحليل يعاني من خلل منهجي واضح، لأنه يفصل السلوك السياسي عن بنيته الاستراتيجية. ففي علم السياسة والعلاقات الدولية، لا تُفهم الدول بوصفها أفرادًا يتحركون وفق الانفعالات الشخصية فقط، بل باعتبارها كيانات مؤسساتية تمتلك عقائد أمنية ورؤى استراتيجية ومصالح طويلة المدى تتجاوز الأشخاص والحكومات. صحيح أن القادة يؤثرون في شكل القرار وسرعته وأسلوبه، لكنهم لا يخلقون من العدم بنية السلوك الاستراتيجي للدولة.

ومن هنا، فإن اختزال ما تقوم به إسرائيل في جنون نتنياهو أو مأزق الحكومة الإسرائيلية يبدو تبسيطًا مخلًا يتجاهل حقيقة أن إسرائيل، رغم أزماتها الداخلية، ما زالت تمتلك قدرة عالية على المبادرة العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، وما زالت قادرة على فرض معادلات القوة في الإقليم. فالدولة التي تنفذ عمليات اغتيال معقدة، وتخترق بيئات أمنية متعددة، وتفرض وقائع عسكرية ممتدة جغرافيًا، لا يمكن فهم سلوكها فقط باعتباره تعبيرًا عن انهيار أو فشل.

المفارقة أن بعض التحليلات تتعامل مع كل تصعيد إسرائيلي باعتباره دليلًا على الهزيمة، وكل عملية اغتيال باعتبارها مؤشرًا على العجز، وكل توسع عسكري باعتباره انعكاسًا لأزمة وجودية. وهذه قراءة تعكس أحيانًا رغبة نفسية في رؤية إسرائيل مأزومة أكثر مما تعكس فهمًا حقيقيًا لطبيعة القوة في العلاقات الدولية. فالقوة لا تُقاس فقط بالأخلاق أو بشرعية السلوك، بل أيضًا بالقدرة على الفعل وفرض الإرادة وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية.

هذا لا يعني أن إسرائيل قوة مطلقة أو أنها غير مأزومة، فإسرائيل تواجه بالفعل تحديات عميقة تتعلق بالشرعية الدولية، والانقسام الداخلي، واستنزاف الحرب الطويلة، وتآكل صورتها الأخلاقية عالميًا، إضافة إلى تحولات ديمغرافية وسياسية داخلية قد تؤثر مستقبلًا على تماسكها. لكن الإشكالية تكمن في تحويل هذه التحديات إلى استنتاجات حتمية حول قرب الانهيار أو الفشل الشامل، دون قراءة موازين القوة الفعلية على الأرض.

وفق المنظور الواقعي في العلاقات الدولية، فإن سلوك إسرائيل يمكن فهمه باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الردع وترميم الهيمنة الإقليمية بعد الضربة التي تعرضت لها في السابع من أكتوبر. فالدول، خصوصًا في البيئات الفوضوية، تميل إلى استخدام القوة المفرطة عندما تشعر بأن صورة الردع قد تضررت. ومن هذا المنطلق، فإن كثيرًا مما تقوم به إسرائيل ليس سلوكًا عشوائيًا أو انفعاليًا، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت قواعد القوة والخوف والهيمنة في المنطقة. أما من منظور الأمننة ، فإن إسرائيل نجحت إلى حد بعيد في تحويل وجودها وحروبها إلى قضية أمنية مطلقة تبرر استخدام مستويات غير مسبوقة من العنف تحت عنوان الدفاع عن الوجود. وهنا يصبح العنف ليس استثناءً، بل أداة بنيوية داخل العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

كذلك، فإن فهم السلوك الإسرائيلي يتطلب إدراك طبيعة البيئة الإقليمية الحالية، حيث تعيش المنطقة العربية حالة غير مسبوقة من التفكك والاستقطاب والانهيار الداخلي. وفي ظل غياب مشروع عربي جامع، وتراجع مفهوم الردع الإقليمي، وتزايد الاعتماد الأمني لبعض الدول على التحالفات الدولية، تجد إسرائيل نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المجال الإقليمي بما يتناسب مع مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.

لذلك، فإن الحديث المستمر عن المأزق الإسرائيلي دون تحليل موازين القوة الفعلية، أو دون دراسة البيئة الإقليمية والدولية المحيطة، يتحول إلى نوع من الوهم التحليلي الذي قد يمنح الجمهور شعورًا نفسيًا بالارتياح، لكنه لا يساعد على فهم الواقع أو بناء استراتيجيات سياسية حقيقية.

الأخطر من ذلك أن بعض المحللين يتعاملون مع السياسة وكأنها ساحة أخلاقية خالصة، بينما السياسة الدولية في جوهرها تقوم على تداخل القوة والمصلحة والردع والقدرة على فرض الوقائع. فإدانة إسرائيل أخلاقيًا شيء، وفهم كيفية اشتغال قوتها واستراتيجيتها شيء آخر تمامًا. والمجتمعات التي تفشل في فهم خصومها كما هم، لا كما تتمنى أن يكونوا، تصبح أكثر عرضة للهزيمة المعرفية قبل السياسية.

إن المطلوب اليوم ليس خطابًا يهوّن من خطورة إسرائيل، ولا خطابًا يضخم قوتها باعتبارها كيانًا لا يُهزم، بل قراءة علمية نقدية تتجاوز الشخصنة والانفعال والرغبة النفسية، وتعيد فهم إسرائيل باعتبارها مشروع قوة يعمل ضمن بيئة إقليمية ودولية معقدة، يستخدم التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي لإعادة إنتاج الهيمنة، حتى وهو يواجه أزمات داخلية حقيقية.

فالفهم الحقيقي للصراع لا يبدأ من الشعارات، بل من القدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه.