الحرب على إيران وسقوط فرضية الأمن الإبراهيمي ... محمد ياغي

الإثنين 11 مايو 2026 11:35 ص / بتوقيت القدس +2GMT



بدأ مسار الاتفاقيات الإبراهيمية في نهاية ولاية الرئيس ترامب الأولى العام 2020، وقد ارتكزت على فرضية أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالطريقة التي يريدانها.
الفلسطينيون ليسوا فقط في حالة انقسام طارئ، ولكن في حالة صراع على كل شيء تقريباً من المسار السياسي والمواجهة مع الاحتلال إلى مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية. 
سورية في لحظة سقوط حر، والعراق أسير أمواله في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ومصر في لحظة انكماش على نفسها، أما ليبيا والسودان واليمن فهي في حالة حرب أهلية. 
وحدها دول الخليج العربي من بقي واقفاً على قدميه وهي في لحظة التنويع الاقتصادي لتحويل البترول إلى مصادر دخلهم، وليس مصدر دخلهم الوحيد: بناء الاقتصاد المعرفي الذي يعتمد على التكنولوجيا والطاقة النظيفة لا يتطلب الاستثمار فقط في هذه المجالات، ولكن جلب الشركات الكبرى لهذه البلدان للاستثمار فيها. 
ومع اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والرد الإيراني الذي تم تنسيقه مسبقاً مع العراق وبالتالي مع الولايات المتحدة، أظهرت إيران ضعفها، وأن هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل على منطقة الشرق الأوسط تكاد تكون مطلقة.
في هذا المناخ تحديداً، بدت الاتفاقيات الإبراهيمية لبعض العواصم العربية وكأنها انضمام إلى الطرف المنتصر في معادلة إقليمية جديدة.
وقد ترافق كل ذلك مع أجواء في الولايات المتحدة تُظهِر أن مركز القرار فيما يخص الشرق الأوسط قد انتقل من واشنطن إلى تل أبيب، بما يعني «تَسييد» إسرائيل على المنطقة وجعلها «المرجعية» لكل القرارات الأميركية في المنطقة. 
بلغة أخرى، إعطاؤها وكالة حصرية لاتخاذ القرارات نيابة عنها وبما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، دون أن تنشغل هي بالمنطقة أو تُسَخِر الكثير من مصادرها لها.  
كان ذلك واضحاً من التنكر للسياسات الأميركية التقليدية التي اعتمد عليها العرب في مطالباتهم لواشنطن بالتوسط لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، أو في دعواتهم لها لضبط «التغول» الإسرائيلي على الحقوق الفلسطينية والعربية. 
باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وفي ادعائه بأن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة شرعي، أظهر الرئيس ترامب بما لا يدع مجالاً للشك أن أميركا سلمت مفاتيح الشرق الأوسط لإسرائيل. 
هذه الظروف خلقت مناخاً سياسياً بدا فيه للبعض من العرب أن المنطقة بكاملها قد سقطت في يد إسرائيل، وأن الأفضل لها ليس فقط «التطبيع» معها ولكن التحالف معها أيضاً. 
ولقد شاهدنا مؤشرات هذا التحالف بإعلان ما سُميت صفقة القرن من المنامة. 
ومن ثم حجم التبادل التجاري بين الإمارات العربية وإسرائيل الذي ارتفع من 190 مليون دولار في العام 2020 إلى 3.2 بليون دولار العام 2024، وفي إعلان الإمارات عن حزمة من الاستثمارات في إسرائيل العام 2021 تصل إلى 10 بليون دولار. 
وفي الصفقات العسكرية التي وقعتها المغرب مع إسرائيل بقيمة 1.5 بليون دولار الأعوام 2022 و2024. 
والحقيقة أن هذه الأرقام متواضعة وهي لا تعكس حقيقة حجم التبادل التجاري والعسكري بين دول الاتفاقيات الإبراهيمية وإسرائيل كونها أرقاماً منتقاة وليست شاملة، لكنها تعكس بصورة ما جانباً من العلاقات «الإبراهيمية» التي تعكس تحول دولة الاحتلال من عدو إلى حليف. 
ولقد عمق استمرار إدارة بايدن على خطى ترامب قناعة الدول الإبراهيمية بأن مركز القرار في الشرق الأوسط قد انتقل فعلاً من واشنطن لإسرائيل، ما يتطلب الاستمرار في سياسة التحالف معها. 
إدارة بايدن لم تحاول فقط إقناع العربية السعودية بالانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية ولكنها مارست الضغوط عليها للقيام بذلك، حيث ربطت حصولها على اتفاقية دفاع مُشترك وبرنامج نووي سلمي وأسلحة متقدمة بقبولها التطبيع مع دولة الاحتلال. 
وأكثر من ذلك، حاولت إدارة بايدن تحويل دولة الاحتلال إلى عقدة مركزية في مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الخليجي – الأوروبي، وهو مشروع تم الإعلان عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، ويهدف إلى ربط الهند بالخليج ثم أوروبا عبر شبكات نقل وطاقة واتصالات. 
غير أن إدخال إسرائيل في قلب هذا المشروع لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل محاولة لإعادة هندسة اقتصاد دول الخليج العربي بربط علاقاتها التجارية واللوجستية مع أوروبا وآسيا عبر البوابة الإسرائيلية، رغم أن مصر، عبر موقعها الجغرافي وبوجود قناة السويس، كانت قادرة على أداء هذا الدور بتكلفة سياسية ومالية أقل.
الحرب على إيران، كانت استكمالاً لهذا المسار الذي يريد جعل إسرائيل القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة. 
كان هذا واضحاً أولاً من تصريحات العديد من السياسيين الأميركيين والأوروبيين الذين قالوا إن هذه الحرب هي إسرائيلية تم إقناع ترامب بها، وثانياً في عدم تنسيق أميركا مع أي من حلفائها الأوروبيين بشأنها، وثالثاً في تجاهل إدارة ترامب لمصالح دول الخليج العربي التي رفضت الحرب وحاولت منعها.
لكن المفارقة هنا أن الحرب كشفت حقيقة كُبرى ستمنع توسع الاتفاقيات الإبراهيمية وقد تُخرِج البعض منها أيضاً عندما ينقشع غُبار الحرب. 
هذه الحقيقة أن إسرائيل عبء أمني وسياسي كبير على كل من يقترب منها. 
الاتفاقيات الإبراهيمية حَولت الإمارات العربية إلى ساحة حقيقية للحرب، فهي الدولة الوحيدة التي هاجمتها إيران بأكبر عدد من الصواريخ والمُسيرات، والهجمات عليها لم تستهدف فقط قاعدة الظفرة الأميركية ولكن بنيتها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. لقد استهدفت إيران منشآت الطاقة في الفجيرة وميناء خورفكان، كما أنها هاجمت منشآت صناعية وشركات كبرى من بينها شركة الإمارات العالمية للألمنيوم، ومراكز بيانات مرتبطة بشركة أمازون، إضافة إلى مناطق صناعية ولوجستية ومرافق غاز ونقل بحري قرب دبي والفجيرة. 
وهذه الهجمات لها ثمن كبير لأنها لا تَضرب صورة الإمارات ودول الخليج العربي عموماً كمركز آمن للتجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، ولكنها تُظهر أن أي حرب إقليمية تكون فيها إسرائيل طرفاً لن تبقى محصورة بالجبهات العسكرية بل ستمتد إلى قلب الاقتصاد في كامل دول الخليج.
أما الثمن السياسي فيمكن تلخيصه بأن عقوداً من الضَخ الأميركي في الصراع المذهبي بين «السنة والشيعة» لمعاداة إيران، قد تبخر في أقل من شهر عندما أصبحت المواجهة بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة أخرى.
فاستهداف إيران لدول الخليج العربي خلال الحرب انعكس نوعاً من التعاطف مع إيران، ولا يعود السبب هنا إلى محبة العرب لإيران، ولكن إلى كراهيتهم لإسرائيل وأميركا. 
فالدولة التي ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في غزة ولبنان، والتي تحتل الأراضي العربية، ومن يقف معها في العالم، تُشكل في الوجدان والضمير العربي وبشكل غريزي البوصلة التي عليهم توجيه كراهيتهم لها. 
هذه الحقائق ستفرض نفسها على دول الاتفاقيات الإبراهيمية وعلى الدول التي كانت مرشحة للانضمام لها. 
الدول الإبراهيمية قد تُفكر في الكارثة التي جلبتها إسرائيل لها، ومن كان متردداً في الانضمام لها يكون الآن قد اكتشف أن العلاقة مع دولة الاحتلال هي مَغرم وليست مَكسباً.