بصرف النظر عما إذا كان العرب، سيعيدون صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم، وموقعهم، في هذا الزمان المضطرب، والذي يشهد تغييرات كونية نحو نظام عالمي جديد ومختلف، فقد أفرزت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران جملة من الحقائق.
أولى هذه الحقائق التي تجاهلها العرب لعقود، أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، شاؤوا أم أبوا، لم يقلل من شأنها وأولويتها، بروز عوامل وتطورات، تشكل تهديداً قومياً، لبعض الدول العربية.
تستمد القضية الفلسطينية أهميتها، من كونها تتعلق بصراع مع الحاملة والأداة الاستراتيجية للاستعمار الغربي، وهي إسرائيل، التي لا تكف عن التأكيد على أن فلسطين مجرد البداية، وأن المدى التوسعي الاستعماري يستهدف محيطاً واسعاً من الفضاء العربي.
الحرب على إيران لم تستهدف حماية أمن الخليج والسعودية، وإنما تستهدف السيطرة الكاملة على ثروات وسيادة دول المنطقة بما في ذلك إيران.
قبل الثورة الإيرانية كانت القوى الاستعمارية قد منحت إيران الشاه المسؤولية عن أمن الخليج، ولكن في زمان الشاه قامت إيران باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى.
ورغم تبدل الظروف، خصوصاً بعد حرب الخليج التي تلت الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم احتلال العراق، ظلت القضية الفلسطينية في قلب الأحداث وفي رأس جدول الأهداف الإسرائيلية الأميركية.
ربما لم يصدق الكثير من العرب، ما ظل يردده الفلسطينيون من أن القضية الفلسطينية هي مفتاح الحرب والسلام للجميع في المنطقة، لكنهم وقعوا دائماً في المفاجأة حين تعرض الفلسطينيون إلى عدوان العام 1982، وبعدها، الانتفاضة الشعبية الكبرى، والصراع الذي تلا اتفاقية أوسلو، وانتفاضة الأقصى، والحروب المتكررة على غزة، والحروب الاستيطانية على القدس والضفة وصولاً إلى طوفان الأقصى 2023.
في معظم هذه المحطات، كان الفلسطيني يصرخ «يا وحدنا»، وكانت الاستجابة من خلال إصدار المزيد من بيانات الإدانة والشجب، ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل، للقيام بما كان ينبغي على العرب أن يبادروا إلى القيام به.
الآن وخلال هذه الحرب، أخذ بعض العرب ممن تعرضوا للضربات الإيرانية يصرخون يا وحدنا، ويجاهرون بنقد من لم يعجبهم من العرب ولم ينضموا إلى الحرب لمساعدتهم.
الحقيقة الثانية، هي أن الارتهان الحصري للولايات المتحدة لحماية الأمن والاستقرار، ودرء المخاطر من الجار الإيراني، هو ارتهان خاسر تماماً.
الولايات المتحدة أقامت تسع عشرة قاعدة عسكرية في منطقة الخليج، وكان عليها أن تحمي الدول المقامة عليها من أي مخاطر، ولضمان حماية الممرات المائية المهمة من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، حين وقعت الواقعة، كانت تلك القواعد وبالاً على الدول التي استقبلتها، وراهنت عليها، إذ شكلت سبباً، في تعرض الدول التي تستضيف تلك القواعد لهجمات استهدفت بنيتها الداخلية، ودفعتها أثماناً باهظة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
أميركا لم تستشر دول الخليج، بل إنها شنت هذه الحرب بقرار ولصالح إسرائيل، وحتى أنها أي أميركا، لم تستجب لمواقف دول الخليج التي رفضت الحرب، ودعمت خيار المفاوضات.
وقد اتضح بما لا يدعو للشك أن الوجود العسكري الأميركي سواء في القواعد العسكرية، أو في المنطقة، كان فقط لحماية إسرائيل، وليس لحماية دول المنطقة.
تعلم دول الخليج وغيرها أن إسرائيل، لا تتوقف عن التحرك والعمل، لإسقاط الهوية العربية الجامعة وتحويلها إلى هويات قطرية في أحسن الأحوال، أو هويات عرقية وطائفية وزعزعة الأمن الاستراتيجي للدول التي تستهدفها خارطة إسرائيل الكبرى.
ثالث هذه الحقائق، أن العرب أنفقوا مئات مليارات الدولارات لتعزيز قدراتهم التسليحية، ولكنهم كانوا يحصلون على الأجيال الأكثر تخلفاً من السلاح.
العرب يملكون الثروة والإمكانيات البشرية، وحتى العلمية، والموقع الاستراتيجي، الذي يمكنهم من تطوير صناعاتهم العسكرية، والأمثلة كثيرة في هذا المجال أقربها إيران، وتركيا، وبما يعفيهم من هدر كل هذه الأموال.
وفي السياق ذاته، لم يجرب العرب ولو لمرة واحدة، أن يملكوا زمام أمرهم بأيديهم، فلقد ظلت معاهدة الدفاع العربي المشترك منذ إقرارها عام ١٩٤٥، طي الأدراج.
يبدو أن ثمة صحوة، نظرية حتى الآن، إزاء إقامة حلف سياسي عسكري خليجي بقيادة السعودية، ودعوة أخرى نحو تفعيل معاهدة الدفاع العسكري العربي، ولكن دونها خروج بعض العرب من كل هذا المسار، ودونها أيضاً التحالف الأميركي الاسرائيلي الذي سيحاول بكل الوسائل، منع ذلك.
رابع هذه الحقائق، هو أن الدول ترسم سياساتها واستراتيجيتها انطلاقاً من رؤية للمستقبل، وبناء على ذلك تحدد خط سير حركتها في اتجاه اللحاق بمن يملكون القوة مستقبلاً.
لا يجوز أن يستمر العرب أو بعضهم في الخضوع لمراهنات وحسابات الماضي الذي يتهاوى أمام أعينهم.
لقد أثبتت الحرب الجارية أن الولايات المتحدة اليوم وغداً ليست هي التي راهنوا عليها وألقوا عليها أحمالهم.
ثمة خيارات واسعة، للتحرك، نحو أوروبا، وكندا، وروسيا والصين تسمح للعرب بأن يخرجوا من تحت المظلة الأميركية الإسرائيلية ولكن شرط أن يستعيدوا بناء هويتهم القطرية والقومية.
خامس هذه الحقائق، أن إيران ليست هي العدو الاستراتيجي والوجودي للعرب، إن كان في الخليج أو غيرها، فهي لم تبدأ الحرب، وهي أكدت مراراً أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي وأنها لا تناصب جوارها العربي العداء.
العرب محكومون بالجغرافيا، وعلى كلا جانبي الخليج العربي تقع حضارات عريقة لا يمكن إزاحتها، أو استبدالها.
قبل الحرب جرت توافقات بين إيران ودول خليجية، ولم يكن لطهران أن تشن هجماتها على تلك الدول، لولا وجود القواعد الأميركية على أراضيها.
نعم قد يقال إن إيران خلال هذه الحرب، أظهرت قدراً من العداء لبعض دول الخليج، والسؤال هنا بشأن علاقات بعض الدول العربية، ببعضها الآخر، ألم تكن بعض الدول العربية في مواقع العداء لدول أخرى عربية ساهمت في تأجيج الصراعات فيها، وأدت إلى انقسامات، وأضعفت بعضها البعض، هل علينا أن نتحدث عما يجري في السودان واليمن وليبيا والصومال وقبلها في سورية ولبنان ودول أخرى؟
أخيراً وليس آخراً، فلقد أكدت الحرب الجارية أن النصر، أو الصمود لا تحققه القوة العسكرية فقط على أهمية ذلك، وإنما تقرره الإرادة؛ إرادة الصمود والصبر، والتمسك بالحق رغم فداحة الثمن.


