تُعد المسيّرات رهان (حزب الله) في الحرب مع إسرائيل، إذ لا تكمن أهميتها في إصابة أهدافها وحجم التدمير، بل بقدرة بعضها على الإفلات من رقابة الرادارات و (القبّة الحديدية)، بخلاف الصواريخ التي نجحت إسرائيل في التصدّي لقسمٍ كبيرٍ منها وإسقاط معظمها قبل بلوغ الهدف، وفق مزاعم الجيش الإسرائيليّ.
إلى ذلك، كشفت المناورة البرية التي أجراها جيش الاحتلال الإسرائيليّ في جنوب لبنان عن تحدٍ ميدانيٍّ متصاعدٍ، تمثّل في استخدام حزب الله مئات المسيّرات الانتحاريّة التي تعمل بنظام توجيه عبر الألياف البصرية (فيبر أوبتيك) وهو ما وصفته الأوساط العسكرية في تل أبيب بأنّه “الصداع القادم” و”العدو الأكثر تحديًا”، على حدّ تعبيرها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة (معاريف) للكاتب والمحلل العسكريّ آفي أشكنازي، فإن هذه المسيّرات لا تعتمد على الاتصالات اللاسلكية أو الأقمار الصناعية، بل تعمل عبر كابل أليافٍ بصريّةٍ يربطها مباشرة بالمشغّل، ما يجعل اعتراضها عبر وسائل الحرب الإلكترونيّة أمرًا بالغ الصعوبة، وقد أدى ذلك بالفعل إلى وقوع إصاباتٍ في صفوف القوات الإسرائيليّة خلال المناورة.
وأشار التقرير إلى أنّ حزب الله نجح في إحداث مفاجأةٍ ميدانيّةٍ من خلال تطوير وسيلةٍ قديمةٍ وتحديثها تقنيًا، إذ سبق استخدام أنواعٍ مختلفةٍ من المسيّرات في ساحات لبنان وسوريّة وغزة لأغراضٍ متعددةٍ، من الاستطلاع وجمع المعلومات، إلى نقل البيانات، وصولًا إلى الهجمات المباشرة، بما في ذلك المسيّرات الانتحارية المزوّدة بمواد متفجرةٍ.
علاوة على ذلك، أكّد المحلل أشكنازي، نقلاً عن مصادره الأمنيّة الإسرائيليّة، أنّ “المُسيّرات تُعد أداةً فعّالّةً في الحروب الحديثة نظرًا لصغر حجمها وسرعتها وإمكانية تشغيلها في مختلف البيئات، سواء الحضرية أو المفتوحة، ليلاً ونهارًا، وفي مختلف الظروف الجويّة، كما أنّ تحليقها على ارتفاعاتٍ منخفضةٍ يصعّب رصدها والتعامل معها مسبقًا”، وشدّدّ في الوقت عينه على أنّ “الجيش الإسرائيليّ يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الحرب الإلكترونيّة في مواجهة المسيّرات، عبر رصد الترددات اللاسلكية والتحكم بها لإسقاطها، إلّا أنّ نظام الألياف البصرية يخلق دائرةً مغلقةً بين المشغّل والمسيّرة، ما يمنع اختراقها أو التشويش عليها”، وفق ما قالته المصادر الإسرائيليّة.
وأردف المُحلِّل قائلاً إنّه “وفق تقديرات المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة، فإنّ إيران قامت بتطوير وتصنيع مئات، وربّما آلاف، من هذه المسيّرات لصالح حزب الله. ورغم الاعتقاد الأوليّ بأنّ مداها لا يتجاوز كيلومتريْن اثنيْن، أظهرت المعارك أنّها قادرة على العمل لمسافاتٍ تتجاوز عشرة كيلومترات، وتستند هذه التقنية إلى مبدأ قديمٍ استخدم في الجيل الأول من الصواريخ المضادة للدروع التي تُوجّه عبر كابل”.
بالإضافة إلى ما ذُكِر أعلاه، نقل المحلل أشكنازي عن قادة في الفرقة 162 في جيش الاحتلال قوله إنّ “حزب الله استخدم عشرات إلى مئات المسيّرات الانتحارية بالتوازي مع قذائف الهاون والصواريخ المضادة للدروع، في إطار تكتيكٍ يهدف إلى إبطاء تقدم القوات ومنعها من المناورة، مع تجنب المواجهات المباشرة والاعتماد على القتال عن بُعد”.
كذلك نقل عن قائد لواء الناحال في الجيش الإسرائيليّ، العقيد (م) قوله إنّ القوات واجهت مزيجًا من قدرات الرصد الدقيقة، والصواريخ بعيدة المدى، والمسيّرات، ما فرض استخدام وسائل متنوعة للتعامل معها، مؤكّدًا في الوقت ذاته أنّ هذا النمط من القتال يمثل العدو الأكثر تحديًا، على حدّ تعبيره.
وخلُص المحلل إلى القول في تقريره إنّه “رغم تقديرات الجيش الإسرائيليّ بأنّ الأثر التراكميّ لهذه المسيّرات لا يزال محدودًا، فإنّه أقر بأنها تعقّد العمليات العسكرية وقد تكون قاتلةً، ما يفرض على المؤسسة العسكرية والصناعات الدفاعية الإسرائيليّة تطوير حلولٍ تكنولوجيّةٍ عاجلةٍ لمواجهة هذا التهديد المتنامي”، كما قال.
جديرٌ بالذكر أنّ صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة كانت قد ذكرت أنّ كثيرًا من الطائرات من دون طيار، خصوصًا تلك المخصصة لجمع المعلومات الاستخبارية، تمكّنت من الوصول إلى حيفا دون عوائقٍ، بل ووصلت أبعد من ذلك، دون أنْ ترصدها على الإطلاق أنظمة الإنذار خلال عبورها من لبنان، مشيرةً إلى أنّ سلاح الجو الإسرائيليّ لم يحاول اعتراضها.
وتتوقع مراكز أبحاث إسرائيليّة أنْ تكون (الهدهد)، التي استُخدمت أخيرًا لرصد مواقع في إسرائيل، هي من الجيل الأحدث، وهي مسيّرة كهربائية، ولا تتضمن بصمة حرارية أوْ صوتية، وتبلغ سرعتها القصوى 70 كيلومترًا في الساعة، ولها القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي دون الحاجة إلى مدرجٍ، وتتميّز بتقنيات تصويرٍ عالية الجودة، مع قدرة البث المباشر للصور، ويصعب اكتشافها وتتبعها نظرًا إلى صغر حجمها وقصر موجات الرادار التي تعمل بحسبها.
وسبق لـ (حزب الله) أنْ عرض مقاطع فيديو لطائرات (الهدهد) التي صوّرت مواقع استراتيجيّةٍ في حيفا وتل أبيب وغيرهما، ووضعتها ضمن “بنك الأهداف” التي تتولّى المسيّرات الهجوميّة استهدافها.


