بعد ثمانية وثلاثين عامًا على آخر تجربة تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، يعود مشهد اللقاءات المباشرة في واشنطن ليطرح نفسه كتحول لافت في مسار الصراع، لا من حيث الشكل فحسب، بل من حيث التوقيت والسياق السياسي والأمني الذي يجري فيه. فهذه المفاوضات لا تأتي في لحظة استقرار أو بعد حرب محسومة، بل في قلب توتر عسكري مفتوح، ما يجعل السؤال حول أهدافها ونوايا الأطراف من وراها سؤالا كبيرا ؟
تسعى الأطراف المختلفة من هذا المسار إلى تحقيق أهداف متباينة بوضوح.
فمن الجانب اللبناني، تبدو الأولوية منصبة على وقف التصعيد العسكري، وتقليل الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب الاسرائيلية، خاصة على منشآت الدولة وبناها التحتية، ومحاولة إعادة تثبيت دور الدولة في إدارة قرار السلم والحرب، بمعنى استكمال هدف نزع سلاح حزب الله، الذي تعهدت الدولة بذلك من خلال الخطة الخماسية التي اعلنتها في سبتمبر ٢٠٢٥م، وهنا يجدر الإشارة إلى أنه في الثاني من مارس 2026، أعلن رئيس الوزراء "نواف سلام" حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، معتبرًا إياها خارجة عن القانون. وقد شدد على ضرورة حصر عمل الحزب في الشق السياسي فقط .
أما إسرائيل، فتنظر إلى المفاوضات كفرصة لفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد، تتجاوز وقف إطلاق النار إلى تكريس حرية العمل العسكري لها في لبنان، التي مارستها بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر ٢٠٢٤م، بالإضافة إلى الهدف المركزي الإسرائيلي الدائم وهو إضعاف أو تحييد حزب الله من خلال نزع سلاحه وافقاده لشرعيته كمقاومة لبنانية من خلال اختلاق صدامات بينه وبين الدولة اللبنانية .
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة ضمن هدف أوسع، يتمثل في منع توسع المواجهة مع ايران إلى حرب إقليمية شاملة، من خلال اخراج حزب الله من معادلة محور المقاومة بقيادة ايران، مع الحفاظ على توازنات تخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما يريده كل طرف، بل بما يمكن أن يترتب على هذا المسار. فالمفاوضات، بهذا الشكل وبهذا التوقيت، تحمل في طياتها تداعيات معقدة.
من جهة، الإسرائيلي في معضلة حقيقية في الملف اللبناني، فهو يدرك أن الدولة اللبنانية ليس بمقدورها نزع سلاح حزب الله، وتجربة الجيش اللبناني بعد اتفاق وقف إطلاق النار ماثلة أمامهم، وخاصة مع الأداء العسكري لحزب الله في الحرب الأخيرة، التي شكلت مفاجأة استراتيجية للمؤسسة العسكرية والجمهور الاسرائيلي، ولذلك الإسرائيلي ذهب لتكثيف ضرباته الجوية على لبنان، ولكن اصطدم بأن هذه الهجمات تضعف الدولة اللبنانية وشرعيتها السياسية، وبالتالي بات العمل العسكري الاسرائيلي يتعارض مع الخطة السياسية الاستراتيجية في لبنان، والمتمثلة بأن تقوم الدولة والجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله.
هنا تبرز أيضًا مسألة الأهداف غير المعلنة، من المسار التفاوضي المباشر بين إسرائيل والدولة اللبنانية بالرعاية الأمريكية، بأن يتم الحفاظ على الدولة اللبنانية كعامل ضاغط وبديل داخلي لشرعية حزب الله كمقاومة، في الوقت الذي تهاجم إسرائيل بها قدراته العسكرية وبناه التنظيمية والمالية من الخارج، وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية على ابعاد حزب الله عن محور إيران من خلال فصل الساحات. بمعنى تكثيف الضغط على حزب الله داخليا وعسكريا ودبلوماسيا.
لفهم احتمالات نجاح هذا المسار أو فشله، لا بد من العودة إلى تجربتين مفصليتين في تاريخ التفاوض اللبناني مع إسرائيل.
التجربة الأولى، هي اتفاق عام 1983، الذي وُلد في سياق احتلال إسرائيلي مباشر للبنان، وبرعاية أمريكية واضحة. ورغم ما تضمنه من بنود أمنية وسياسية طموحة، إلا أنه سقط سريعًا. السبب الأساسي لم يكن تقنيًا أو تفاوضيًا، بل سياسيًا داخليًا. الاتفاق لم يحظَ بقبول وطني واسع، بل اعتُبر من قبل قوى أساسية في لبنان اتفاقًا مفروضًا في ظل الاحتلال، ما أفقده شرعيته الداخلية. يضاف إلى ذلك الرفض الإقليمي، خصوصًا من سوريا آنذاك، ما جعل الاتفاق معزولًا داخليًا وخارجيًا، وسريع الانهيار.
أما التجربة الثانية، فهي اتفاق ترسيم الحدود البحرية المتعلق بالغاز عام ٢٠٢٢م. وعلى الرغم من حساسية الملف، نجح هذا المسار في الوصول إلى نتيجة عملية. يعود ذلك إلى عدة عوامل: أولها أن الاتفاق كان تقنيًا ومحدودًا، ولم يتطرق إلى قضايا سيادية أو سياسية كبرى. ثانيها أنه تم بشكل غير مباشر، ما خفف من حساسيته داخليًا. وثالثها، وربما الأهم، أنه حظي بحد أدنى من التوافق الداخلي، أو على الأقل غياب معارضة حاسمة له، نظرًا لما يحمله من مكاسب اقتصادية محتملة، وفي ظل معادلات اشتباك متبادلة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية التي لعبت دورا مركزيا في تدعيم موقف ا المفاوض اللبناني .
من خلال المقارنة بين التجربتين، تتبلور نتيجة مركزية واضحة: أي اتفاق مع "إسرائيل" لا يستند إلى حد أدنى من التوافق اللبناني الداخلي، يبقى هشًا وقابلًا للسقوط، مهما كانت الضمانات الخارجية أو قوة الرعاية الدولية.
انطلاقًا من ذلك، تبدو المفاوضات الحالية أكثر تعقيدًا وخطورة. فهي لا تجري فقط في ظل انقسام داخلي لبناني واضح، بل أيضًا في ظل حرب مفتوحة ووجود عسكري إسرائيلي في مناطق من جنوب لبنان، إضافة إلى توتر وحرب إقليمية واسعة بين إيران وبين الأمريكي والإسرائيلي. في مثل هذا السياق، لا تكون المفاوضات مجرد مسار دبلوماسي، بل جزءًا من صراع أوسع على شكل المنطقة ومستقبل توازناتها، قبل أن يكون على شكل الداخل اللبناني.
بناءً عليه، فإن أي محاولة للدفع نحو اتفاق في هذه الظروف، دون معالجة وجهات النظر اللبنانية الداخلية الرافضة، وفي مقدمتها حزب الله، ودون الأخذ بعين الاعتبار حساسية التوقيت المرتبط بالحرب، قد لا تؤدي إلى استقرار، بل إلى تعميق التوترات الداخلية، وقد تتحول في لحظة ما إلى شرارة لحرب أهلية لبنانية قد يسعى لها الاسرائيلي، لتكون ذريعة له لاحتلال اجزاء من جنوبي لبنان وسوريا لتشكيل حزام أمني متراص على الجبهة الشمالية.
في النهاية، لا يمكن الرهان الا على التوافق اللبناني الداخلي، ففي ظل حالة التوتر الإقليمية والدولية، وفي ظل تركيبة لبنان السياسية والطائفية، فالهدف الأساس يجب أن ينصب على استمرار الوحدة الداخلية اللبنانية، وإدارة الخلافات باللغة اللبنانية.


