يسخر آفي يسسخاروف الصحافي الإسرائيلي في جريدة «يديعوت أحرونوت» من بنيامين نتنياهو بحيث أنه «لم يظهر بحجم ونستون تشرشل ليُلقي خطاب الدم والدموع»، فقد كان صغيراً ليُلقي خطاب النصر منذ اليوم الأول لضرب إيران قبل أن يدرك أن حركة التاريخ أكثر رصانةً من تلك الخفّة، ولكن بدل أن نحصل على تشرشل في تل أبيب حصلنا على تشمبرلين في واشنطن، هكذا يكرر التاريخ نفسه من مخدوع يجلس في عاصمة إمبراطورية لم تكن تغيب عنها الشمس، إلى مخدوع يجلس في عاصمة الإمبراطورية الجديدة التي يحلم ألا تغيب الشمس عن منابع نفطها».
هذا ما يشي به حوار دار بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس وزراء إسرائيل حين قال له فانس «تقديراتك للحرب مع إيران كان مبالغاً بها». الأمر ليس كذلك تماماً، لكن حجم التضخم الذي أصيبت به إسرائيل وكذلك رئيس وزرائها الذي يعاني أصلاً من تضخم الذات، وهذا حسب تقارير الأطباء النفسيين الذين استدعاهم جهاز المخابرات العامة لإعطاء تقرير نفسي عن نتنياهو مرتين بفارق عقدين، كان تقرير الاستدعاء الأول بُعيد فوزه أول مرة عام 96 دفع به لهذا الجموح.
اعتاد نتنياهو تكرار جملة «نحن نغيّر الشرق الأوسط»، هكذا بكل صفاقة وخفّة دون أن يدرك أن الشرق الأوسط الذي أنتج ما يكفي من الحضارات وتصارعت على أرضه إمبراطوريات، وطوت فيه قوى عظمى ذيول هزائمها ورحلت، وإذا لم تتمكن قوى إمبراطورية لعبت على ملعب الشرق من تغييره، كيف تتجرأ قوة أو دولة صغيرة بالمفهوم التاريخي على الاعتقاد بأنها يمكن أن تفعل ذلك؟ في الأمر لوثة غير مفهومة وبحاجة إلى تفكيك.
إسرائيل دولة محدودة المساحة وهي مختلَف عليها أصلاً، وهناك شعب طردته قبل أقل من ثمانية عقود يطالب بتلك الأرض المقامة عليها، فهي ليست دولة قديمة نمت في المنطقة كباقي الحضارات وتطورت طبيعياً، بل لا تُخفي نفسها أنها تعاني من أزمة وجود في هذا المكان، وأن الخصوم يستهدفون وجودها، ويزيد دونالد ترامب الرئيس الأميركي طين إسرائيل بلّةً بالتشكيك في بقائها دون أن يقصد، حين يقول «لولاي لما بقيت إسرائيل»، وفي مكان آخر يقول «لولا نتنياهو لما بقيت إسرائيل» هذا الشعور باللابقاء في اللاوعي يشكك بثبات الدولة. ولا يقتصر الأمر على محدودية الجغرافيا والنزاع عليها والشك بالوجود، بل إن التأثير عبر التاريخ يحتاج أيضاً عنصر الديمغرافيا، وإسرائيل فقيرة جداً هنا، لدرجة أقل كثيراً من أن تقوم بصناعة التاريخ.
اعتقدت إسرائيل التي ترسُب دوماً في دروس الحساب أن غزة هي المقياس العام لحروبها وصراعاتها وانتصاراتها وانكساراتها، وإذا كانت تلك المساحة الصغيرة لم تتمكن من تحقيق انتصار سريع وحاسم في حربها ضد مجموعة محلية تصنع سلاحها منزلياً، فكيف ذهبت للحد الذي تعتقد أنه يمكن أن تحسم حرباً مع دولة كبيرة تمتد على أكثر من مليون ونصف كيلومتر خلال أربعة أيام؟ كيف خطر ببالها أن تذهب لهذا الحد من الاعتقاد؟ صحيح أن هذا حلم إسرائيلي لعقود طويلة، وهي تضع النظام الإيراني كمهدد وجودي لها وينبغي إزالته، لكنها لم تدرك فداحة الفرق بين الحلم والحقيقة التي أحرقت بها الإقليم، ولا تدرك أن الثعبان أصغر كثيراً من ابتلاع الفيل.
الكل يتهم الكل، وتستعر تلك الاتهامات بين الدول العربية، فجزء منها وجد نفسه يتعرض لضربات من إيران في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل وينتظر إسناداً من عرب آخرين، وها هي المنطقة بفضل نتنياهو تدخل في عداء تاريخي بين الخليج وإيران بعد أن كادت تنجح محاولات الترميم وتصفير الخلافات. جاء نتنياهو الذي يعتقد أنه قادر على تغيير التاريخ ليصنع هذا العداء للأبد، تلك ستكون معضلة الشرق الأوسط القادمة بين حضارتين تجاورتا طويلاً بعقيدة مشتركة وتراث متقارب.
ونحن نحاكم التاريخ علينا القول بكل حيادية إن كل تلك الصراعات التي تندلع وكل هذا الحريق الذي يشتعل، وكل تلك الأرواح التي تزهق، وكل هذا الركود الذي سيدخله الاقتصاد العالمي وستدفع ثمنه البشرية، يقف خلفه جنون بنيامين نتنياهو ودولة إسرائيل التي تتحمل مسؤولية كل ما يحدث. ويحق للعالم أن يطالبها بالتعويض بدءاً من الدول العربية التي تضررت نتاج المغامرة الإسرائيلية، وانتهاءً بأوروبا، وصولاً لكل بيت تضرر من هذا الجنون، وهو لم يكن ليحدث لو لم يجرّ معه «تشمبرلين واشنطن».
تشمبرلين الجديد يعتقد مثل نتنياهو أنه قادر على تغيير التاريخ أيضاً، فالأمر بسيط، وبعد أن اعتذر عن قبول منصب مرشد إيران الجديد، فكل ما يتطلبه الأمر هو تغيير اسم مضيق هرمز إلى مضيق ترامب، وهكذا يتغير الشرق الأوسط، ويبدو أن نتنياهو من أقنعه بذلك بعد تعثُّر حلم إسقاط نظام ايران، وما بين الأبله والخبيث الذي يحركه يقف العالم على صفيح ساخن، بعد أن وصلت الحرب إلى لحظتها الحرجة ولم يعد من الممكن استمرار الاستنزاف بشكله الذي استمر لأسابيع، بعد أن علّق ترامب الجميع على الشجرة بتهديده الذي يتمدد، فإما أن نكون أمام اتفاق يولد من مستحيلات صعبة، أو أمام حريق أكبر يولد من واقع يتجسد في نقل القوات ويُدار بمستشار ماكر اسمه بنيامين نتنياهو، مستعد لإحراق العالم من أجل مصلحته ومصلحة دولته.


