مع دخول المواجهة العسكرية الشاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسبوعها الثالث منذ اندلاع شرارتها في 28 شباط/ فبراير 2026، يبدو أن الصراع قد تجاوز حدود الجغرافيا الميدانية ليتحول إلى "تسونامي" اقتصادي يعيد هندسة النظام العالمي.
بينما تتساقط الصواريخ في العمق، تدور رحى "حرب طاقة" خفية، حيث تشير الوقائع إلى أن واشنطن قد لا تكون "ضحية" لارتفاع الأسعار، بل ربما تكون "المهندس" الذي يستخدم برميل النفط كسلاح جيوسياسي فتاك ضد الخصوم والحلفاء على حد سواء.
مضيق هرمز: الشريان المخنوق والرهان الدولي
منذ اللحظات الأولى للصراع، تحول مضيق هرمز إلى بؤرة الحدث. وتؤكد وكالة "بلومبرغ" في تقريرها الأخير أن "إغلاق المضيق، الذي يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل يومياً، قد وضع العالم أمام أكبر تهديد لأمن الطاقة منذ الحرب العالمية الثانية".
هذا الإغلاق الفعلي دفع أسعار النفط لتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من بنك "جي بي مورغان" بأن الأسعار قد تصل إلى 150 دولاراً إذا استمر الجمود العسكري.
ورغم الخطاب الأمريكي المعلن حول "تأمين الملاحة"، إلا أن تقارير "لويدز ليست" المتخصصة في الشحن تشير إلى أن "تكاليف التأمين على الناقلات في الخليج ارتفعت بنسبة 400%، مما جعل الملاحة مستحيلة عملياً، وهو واقع يخدم سياسة عزل الخصوم تجارياً".
التناقض الصارخ: استهداف منشآت الطاقة كإجراء متعمد
تثير طبيعة الأهداف التي تضربها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تساؤلات جدية. فوفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن واشنطن، التي كانت تعارض سابقا استهداف المواقع النفطية، أعطت الضوء الأخضر لضرب منشآت حيوية في جزيرة خرج، المسؤولة عن معظم الصادرات الإيرانية.
من جانبه، يقود رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير عمليات دقيقة تستهدف منصات الغاز والنفط تحت غطاء "تفكيك القدرات التمويلية للنظام".
ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤولين في وزارة الجيش الإسرائيلية أن "تدمير البنية التحتية للطاقة في إيران ليس مجرد هدف عسكري، بل هو استراتيجية لانتزاع أي قدرة إيرانية على المناورة الاقتصادية في المستقبل".
الصين وأوروبا: الضحايا غير المباشرين لـ "سلاح السعر"
يرى المحللون في صحيفة "فاينانشال تايمز" أن المستفيد الحقيقي من اشتعال الأسعار ليس بالضرورة من يربح الحرب على الأرض، بل من يمتلك البديل.
الصين، التي تستورد نحو 11 مليون برميل يومياً، تجد نفسها أمام "كابوس اقتصادي"؛ فارتفاع الأسعار يهدد استقرارها الداخلي ويعطل "مبادرة الحزام والطريق".
أما في أوروبا، فإن الوضع يبدو أكثر قتامة. وتشير مجلة "ذا إيكونوميست" إلى أن "أوروبا تعيش حالة من الانتحار الصناعي القسري؛ حيث تهاجر المصانع الألمانية والفرنسية إلى الولايات المتحدة بحثاً عن طاقة أرخص، مما يعزز هيمنة الاقتصاد الأمريكي ويحول القارة العجوز إلى تابع طاقي بالكامل لواشنطن".
الولايات المتحدة: إدارة الصدمة وتحقيق الأرباح
خلافا للصدمات النفطية السابقة، تدخل الولايات المتحدة هذا الصراع وهي منتج عالمي ضخم.
وتؤكد مجلة "فوربس" أن "شركات النفط الصخري في تكساس وداكوتا الشمالية تحقق أرباحاً خرافية مع تجاوز الأسعار حاجز الـ 100 دولار، مما يعوض جزئياً أثر التضخم داخل أمريكا ويوفر لترامب أداة ضغط سياسي هائلة".
إضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على مسارات الطاقة تمنح واشنطن قدرة "التحكم عن بعد" في نمو الاقتصاد الصيني.
وبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن "واشنطن تستخدم أزمة الطاقة الحالية لإعادة رسم موازين القوى الدولية، حيث يصبح النفط وسيلة لفرض الانصياع الجيوسياسي على الدول التي تعتمد على الاستيراد".
هل هي حرب صواريخ أم حرب أسعار؟
في المحصلة، إن ما يجري في مياه الخليج وفوق جبال إيران ليس مجرد اشتباك عسكري تقليدي.
إن التنسيق بين وزير الجيش الإسرائيلي والبنتاغون، والتركيز على شل قطاع الطاقة، يوحي بأننا أمام "استراتيجية الصدمة النفطية".
بينما تتحدث الرواية الرسمية عن "ردع النظام"، تشير الأرقام والتحليلات الدولية إلى أن الصراع يهدف إلى إحداث زلزال اقتصادي عالمي، تكون نتيجته النهائية خروج الولايات المتحدة كمركز وحيد للطاقة والقرار المالي، وسط حطام اقتصادي يطال الشرق والغرب على حد سواء.


