أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات قراءة أعدّها الدكتور نهاد الشيخ خليل في كتاب بعنوان "استئصال حماس من قطاع غزة: دراسة لنماذج غربيّة وعربيّة لنزع التطرّف". وكشفت الدراسة البحثية الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ضمن مذكرة رقم 253 في كانون الثاني/ يناير 2026، عن مقاربة استراتيجية لمعالجة ما تصفه بـ"الحمسنة" في قطاع غزة، عبر الاستفادة من تجارب دولية وعربية في برامج نزع "التطرّف" وإعادة بناء البنى السياسية والاجتماعية في المجتمعات الخارجة من الصراعات. وتطرح الدراسة إطاراً تحليلياً يتجاوز المقاربة الأمنية الضيقة، داعية إلى دمج الجهود الأمنية مع مسارات سياسية وتنموية ودينية في خطة متكاملة لإعادة تشكيل الواقع في القطاع.
وتهدف الدراسة، التي أعدّها الباحثان عوفر غوتيرمان وتارة فيلدمان، إلى تحليل جذور ما تصفه بالراديكالية في غزة، واستكشاف سبل تقليص نفوذ حركة حماس عبر برامج سياسية ومجتمعية وفكرية مستلهمة من تجارب دولية. وتتناول الدراسة مفهوم الراديكالية باعتباره منظومة من المعتقدات والسلوكيات التي تبرر استخدام العنف دفاعاً عن الجماعة، وترى أن ظهورها يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الشعور بالظلم والصدمات الجماعية الناتجة عن الحروب والتهجير، واندماج الهوية الفردية بالهوية الجماعية، إضافة إلى انتشار سرديات تنزع الإنسانية عن الخصم وتبرر العنف بوصفه واجباً أخلاقياً. كما تشير إلى أن ضعف المؤسسات الحكومية وغياب الخدمات العامة يفتح المجال أمام الحركات الراديكالية لبناء قواعد اجتماعية من خلال شبكات الرعاية والخدمات.
وفي تحليلها للحالة الغزّية، ترى الدراسة أن جذور الظاهرة تعود إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها القطاع منذ عام 1948، مروراً بفترة الإدارة الإسرائيلية بعد عام 1967، وصولاً إلى صعود حركة حماس وتعزيز حضورها السياسي والاجتماعي بعد فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006. وتعتبر أن الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007 أسهم في تعزيز نفوذ الحركة، إذ تمكنت من ترسيخ حضورها عبر مؤسساتها الدينية والخيرية وإدارة قطاعات خدمية مثل التعليم والصحة.
وتؤكد الدراسة أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب العمل على ثلاثة مستويات متكاملة: الفردي، من خلال برامج إعادة التأهيل الفكري والاجتماعي؛ والمجتمعي، عبر إشراك الأسرة ورجال الدين والشبكات الاجتماعية في نشر خطاب بديل؛ والمؤسساتي، من خلال إصلاح منظومات الحكم والتعليم والقضاء وتعزيز سيادة القانون. وتشدد على أن نجاح هذه العملية يتطلب الجمع بين ما تسميه "عوامل الدفع" التي تدفع الأفراد للخروج من أطر التطرّف، مثل الهزيمة العسكرية أو فقدان الثقة بالتنظيمات المسلحة، و"عوامل الجذب" التي توفر بديلاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً مقنعاً.
وتستعرض الدراسة مجموعة من التجارب الدولية في برامج نزع التطرّف، من بينها التجربة الألمانية واليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جرى تفكيك البنى الأيديولوجية للنظامين النازي والعسكري وإعادة بناء مؤسسات الدولة والتعليم والإعلام وفق منظومات سياسية جديدة. كما تتناول تجارب أخرى مثل العراق وأفغانستان والبوسنة، مشيرة إلى أن ضعف المؤسسات أو استمرار الانقسامات الاجتماعية أسهم في محدودية نجاح تلك التجارب.
وفي السياق العربي، تستعرض الدراسة نماذج متعددة لنزع التطرّف في دول مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر والمغرب والأردن وتونس، وتلاحظ تباين المقاربات بين نماذج تعتمد بصورة أكبر على الإجراءات الأمنية والاحتواء السياسي، وأخرى تسعى إلى إحداث تحول اجتماعي وثقافي أوسع عبر التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية.
وترى الدراسة أن نجاح أي برنامج مماثل في قطاع غزة يتطلب توافر شروط سياسية ومؤسسية معقدة، من بينها تشكيل إدارة فلسطينية انتقالية بدعم إقليمي ودولي، وإطلاق برامج إصلاح في التعليم والإعلام والقضاء، إضافة إلى توفير أفق سياسي واقتصادي للسكان. كما تشير إلى أهمية دور إقليمي محتمل تقوده دول عربية، خصوصاً مصر والإمارات، في دعم عمليات إعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات المدنية.
وتوصي الدراسة بأن تترافق عملية تفكيك البنى العسكرية والتنظيمية لحماس مع مسار تدريجي لإعادة إعمار القطاع وتوفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية، باعتبارها عوامل أساسية لاحتواء البيئة الاجتماعية التي قد تغذي عودة الراديكالية. وتؤكد أن نجاح هذه المقاربة يعتمد على تكامل أربعة مسارات رئيسية: الأمن، والأفق السياسي، وإعادة الإعمار الاقتصادي، وبرامج التحول الاجتماعي والفكري.
ومع ذلك، يقرّ معدّو الدراسة بأن فرص نجاح مثل هذه الاستراتيجية تبقى محدودة في ظل التعقيدات السياسية والواقع المؤسسي في غزة، لكنهم يرون أن طرح هذه التصورات قد يسهم في تحفيز نقاشات سياسية وأكاديمية أوسع حول مستقبل القطاع والخيارات المتاحة للتعامل مع تحدياته.


