“بأسلوبه المتهور والعدائيّ، بدا أقرب إلى شخصيةٍ كرتونيّةٍ متسلطةٍ إلى رجل دولةٍ رصينٍ. تباهى بيت هيغسيث، مرتديًا ربطة عنق ومنديل جيب باللون الأحمر والأبيض والأزرق، أمام الصحفيين في البنتاغون قرب واشنطن قائلاً: “الموت والدمار من السماء طوال اليوم. لم يكن من المفترض أنْ تكون هذه معركة عادلة، وهي ليست كذلك. نحن نوجه لهم ضربات قاضية وهم في أضعف حالاتهم، وهذا هو عين الصواب”، بهذه الكلمات بدأت صحيفة (الغارديان) البريطانيّة تقريرها الاستقصائيّ عن وزير الحرب الأمريكيّ.
هيغسيث، البالغ من العمر 45 عامًا، وهو مذيع سابق في قناة فوكس نيوز، ويقود الآن أقوى جيش في العالم، أصبح هذا الأسبوع الوجه الإعلاميّ لحرب دونالد ترامب على إيران. وقد أثار ذلك مخاوف النقاد الذين يحذرون من أنّ وزير الدفاع، الذي أعيدت تسميته عمدًا إلى “وزير الحرب”، قد حوّل البنتاغون بسرعةٍ إلى ساحةٍ لحملةٍ أيديولوجيّةٍ ودينيّةٍ، يقولون إنّ استعراضات هيغسيث الصبيانيّة على شاشة التلفزيون، بما فيها من نزعةٍ ذكوريّةٍ وقوميّةٍ مسيحيّةٍ وقسوةٍ تجاه أرواح الجنود الأمريكيين، تهدف إلى إشباع رغبة ترامب كزعيم حربٍ يليق بمكانته في أوساط النخبة الذكوريّة.
وتابعت الصحيفة: “لقد تعزز هذا الاعتقاد بمقطع فيديو مثيرٍ للجدل انتشر على مواقع التواصل الاجتماعيّ، يمزج بين لقطاتٍ من أفلام هوليوود ضخمة مثل (قلب شجاع) و (غلادياتور) و (سوبرمان) و(توب غان)، مع ظهور هيغسيث ولقطاتٍ حقيقيّةٍ لعمليات قتلٍ في إيران”.
وقالت جانيسا غولدبيك، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة (صوت المحاربين القدامى)، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بالدفاع عن حقوق المحاربين القدامى: “بيت هيغسيث شخصٌ خطيرٌ للغاية. إنّه قوميّ مسيحيّ أبيض، ويملك ترسانة الحكومة الأمريكية تحت تصرفه، ولديه تفويض من الرئيس ترامب لإحداث فوضى عارمةٍ أينما شاء ضدّ مَنْ شاء، وكان صعود هيغسيث أمرًا لا يُتصور في ظلّ أيّ قائدٍ أعلى آخر”.
أصبح هيغسيث لاحقًا وجهًا مألوفًا على شاشة التلفزيون كمساهمٍ ومقدمٍ مشاركٍ لبرنامج (فوكس آند فريندز) على قناة فوكس نيوز، حيث كان يُجري مقابلاتٍ متكررةٍ مع ترامب ويدافع عن سياساته.
وقد كتب ذات مرة أنّه في حال فوز الديمقراطيين في الانتخابات، “سيُجبر الجيش والشرطة على الاختيار”، و”نعم، ستندلع حربًا أهليّةً ما”. لكن ترامب فاز في انتخابات عام 2024 ورشّح هيغسيث لمنصب وزير الدفاع. وخلال جلسة استماع تثبيته، أثار أعضاء مجلس الشيوخ تساؤلات جدية حول سجله: تصريحات مُهينة بحقّ النساء العاملات في القوات المسلحة، مزاعم بتناوله الكحول أثناء الخدمة، ادعاءات بالاعتداء الجنسيّ وسوء السلوك، فترة إدارته المضطربة لمنظمتين صغيرتين غير ربحيتين للمحاربين القدامى، وافتقاره للخبرة اللازمة لمنصب يُشرف على أقوى جيش في العالم.
وانقسم مجلس الشيوخ في نهاية المطاف بالتساوي (50-50)، مما اضطر نائب الرئيس، جيه دي فانس، إلى الإدلاء بصوته الحاسم، وبصفته وزيرًا للدفاع، تعهّد هيغسيث “بإطلاق العنان لعنفٍ ساحقٍ وقاسٍ” على الأعداء، ووعد بـ بقواعد اشتباك “غبية”، قواعد مصممة لتقييد الهجمات على السكان المدنيين.
الآن، وفي أسبوعه الثاني في قيادة البلاد خلال صراعٍ جديدٍ غامضٍ في الشرق الأوسط، تخلى هيغسيث إلى حدٍّ كبيرٍ عن وقار وزير الدفاع التقليديّ، مفضلاً عليه استعراضاتٍ إعلاميّةٍ متحيزةٍ تُبرز قدرة أمريكا على إلحاق العنف.
لسنوات، سعى إلى ترسيخ صورةٍ نمطيّةٍ ذكوريّةٍ مفرطة تُجسد “الرجل مفتول العضلات”، مصممة لتُرضي حساسية ترامب وبيئة الإعلام اليمينيّ، والآن، في مواجهة أزمةٍ جيوسياسيّةٍ تتطلب دقةً وبصيرةً استراتيجيّةً، يبدو للكثيرين أنّه عاجز عن إدارة الأمور.
علق غولدبيك، وهو جندي سابق في سلاح مشاة البحرية الأمريكية خدم في الخارج كضابط هندسةٍ قتاليّةٍ، قائلاً: “أتمنى لو أستطيع وصف مدى استهتار الوزير هيغسيث وغبائه وعجزه عن قيادة البنتاغون. لا أجد الكلمات الكافية لوصف إعجابه المفرط بنفسه، والذي لا يُضاهيه في اتساعه إلّا انحطاطه الأخلاقي الواضح”.
وأوضحت الصحيفة أيضًا: يشارك مسؤولون سابقون في البيت الأبيض هذه المخاوف، وقال بريت بروين، رئيس وكالة الشؤون العامة (غرفة العمليات العالمية) والمدير السابق للتواصل العالمي في إدارة باراك أوباما: “هيغسيث غير مؤهل لتقديم الطمأنينة والاستراتيجيّة التي يحتاجها الأمريكيون وحلفاؤهم من البنتاغون في الوقت الراهن”.
“انتقد بشدّةٍ (الأخبار الكاذبة) أثناء حديثه عن ستة جنود احتياطيين قُتلوا في هجومٍ إيرانيٍّ على مركز عمليات في الكويت، وقال: “عندما تخترق بضع طائرات مسيرة الحدود أوْ تحدث حوادث مأساوية، تتصدر الأخبار الصفحات الأولى. أفهم ذلك. الصحافة لا تريد إلّا تشويه صورة الرئيس”، وأثارت هذه التصريحات غضبًا عارمًا لافتقارها إلى التعاطف مع الشهداء الأمريكيين.
وكان هناك جانب آخر من شخصية هيغسيث لم يتطرق إليه مجلس الشيوخ إلّا نادرًا: تعاطفه مع القوميّة المسيحيّة، وقد أظهرت صور له وشميْن مرتبطيْن برموز الحروب الصليبيّة. يُصوِّر أحدها صليب القدس، وهو عبارة عن مجموعةٍ من خمسة صلبان ارتبطت منذ القدم برموز الحروب الصليبيّة في العصور الوسطى، على صدره. وإلى جانب ذلك، توجد صورة لسيفٍ مصحوبةً بالعبارة اللاتينية، والتي تعني “بمشيئة الله”، وهو شعار ارتبط تاريخيًا بالحروب الصليبيّة وأُعيد إحياؤه في الآونة الأخيرة.
ولا تقتصر هذه الإشارات على الجانب الرمزي فحسب. ففي كتابه (الحملة الصليبيّة الأمريكيّة) الصادر عام 2020، كتب هيغسيث أنّ مَنْ يستفيدون من “الحضارة الغربية” عليهم “أنْ يشكروا أحد الصليبيين”.
وأشار الكتاب إلى أنّ السياسة الديمقراطية وحدها قد لا تكفي لتحقيق أهداف حلفائه السياسيين، مصرحًا: “التصويت سلاح، لكنه غير كافٍ. لا نريد القتال، ولكن، كما فعل إخواننا المسيحيون قبل ألف عام، لا بُدّ لنا من ذلك”.
وردت تقارير عن سلوكيات أكثر إثارة للقلق. فقد ذكرت مجلة (نيويوركر) أنّ زميلًا له في منظمة (قدامى المحاربين القلقين من أجل أمريكا) اشتكى من أنه ورجلًا آخر كانا يهتفان مرارًا وتكرارًا “اقتلوا جميع المسلمين”، خلال نوبة سُكرٍ في حانةٍ أثناء سفرهما للعمل. وسبق لهيغسيث أن أيّد عقيدة “سيادة المجال”، وهي رؤية للعالم مستمدة من المعتقدات المتطرفة لإعادة البناء المسيحيّ.
وتدعو هذه الفلسفة إلى عقوبة الإعدام للمثلية الجنسية، وإلى أسر وكنائس أبوية صارمة، ويدعو علنًا إلى نظامٍ دينيٍّ.


