كيف نفهم الاختراق الاستخباري الأميركي الإسرائيلي واسع النطاق لإيران ما مكّن البلدين من توجيه ضربات نوعية كان أخطرها اغتيال المرشد الأعلى للثورة على خامنئي والعديد من قادة الجيش؟!
هذا السؤال ليس جديدًا، فقد سألته وكثيرون عقب العدوان الإسرائيلي الأميركي في حزيران الماضي، الذي استمر ١٢ يومًا.
وقتها هاجمت إسرائيل إيران بتغطية وخديعة أميركية تحت ستار المفاوضات، وتمكنت في الساعات الأولى من العدوان من اغتيال حسين سلامي القائد العام للحرس الثوري، ومحمد باقري رئيس الأركان، وغلام على رشيد قائد مقر خاتم الأنبياء، وأمين على حاجي قائد القوات الجوية في الحرس الثوري، وأكثر من عشرين من كبار علماء البرنامج النووي الإيراني. وهناك تقارير غير مؤكدة تقف وراء مقتل الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان، في حادث إسقاط الطائرة، على الحدود مع أذربيجان في 19 أيار عام 2024.
كنت قد كتبت عن هذا الموضوع تحت عنوان «هذا الانكشاف الإيراني المريع»، كما كتبت أيضا بعنوان «كيف نواجه الاختراق الاستخباري الإسرائيلي؟».
قبل العدوان كانت إسرائيل قد نجحت في اغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في نهاية تموز 2024، خلال تواجده في احتفال في مقر مؤمَّن للحرس الثوري في العاصمة طهران. وفي 27 أيلول من نفس العام اغتالت إسرائيل زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله وعدداً كبيراً من قادة الحزب، بل وتمكنت في عملية نوعية هي «البيجر» من قتل وإصابة نحو ثلاثة آلاف من عناصر وكوادر حزب الله.
وبالطبع، نتذكر أن الولايات الأميركية وفي 3 كانون الثاني 2020 خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى اغتالت قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد، ومعه مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي العراقي.
كان من المفترض أن تتنبه إيران إلى هذه الثغرة الخطيرة التي مكنت إسرائيل وأميركا من اختراقها بهذه الصورة غير المسبوقة.
لكن الذي حدث صباح السبت الماضي يدل على أن السلطات الإيرانية قد فشلت تماماً في منع تكرار نفس السيناريو، ولكن بصورة أخطر كثيراً.
تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من اغتيال خامنئي الذي يحكم إيران منذ عام ١٩٨٩، واغتالت معه العديد من قادة القوات المسلحة ومنهم وزير الدفاع عزيز ناصر زادة وقائد الحرس الثوري محمد باكبور وأمين مجلس الدفاع على شهرفاني.
هنا نحن أمام مجموعة من السيناريوهات:
أولها: أن إيران بكل أجهزتها أهملت وتراخت ولم تستفد إطلاقاً من دروس الشهور والسنوات الماضية، ويشمل ذلك بطبيعة الحال تمكن عدوها من اختراقها بواسطة عملاء وجواسيس على أعلى مستوى، وهناك تقارير كثيرة تتحدث عن نجاح إسرائيل وأميركا في تجنيد مسؤولين كبار، من دونهم ما كان يمكن إطلاقاً الوصول إلى هذه الشخصيات الرفيعة في إيران وحزب الله وحركة حماس.
السيناريو الثاني: أن إيران حاولت وسعت، لكنها لم تتمكن من الحصول على الأسلحة والتقنيات المهمة لإبطال وتحييد «الهيمنة الاستخبارية» لأميركا وإسرائيل.
السيناريو الثالث: أن يكون هناك مزج بين السيناريوهين الأول والثاني، بمعنى وجود إهمال وتقصير وعجز عن ملاحقة وكشف الاختراق الإسرائيلي.
ومن الواضح أن هناك دوراً مهماً للعملاء البشريين على الأرض، لكن من الواضح أيضا أن التكنولوجيا خصوصاً دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد لعبت وستلعب دوراً مهماً في الحروب المقبلة. وهذا موضوع يحتاج إلى نقاش مفصل لاحق. الأمر الغريب والمريب كيف لدولة مثل إيران تواجه عدوين كبيرين هما أميركا وإسرائيل وخلفهما غالبية بلدان الغرب وأجهزته الاستخبارية، وعلاقات سيئة لإيران مع معظم محيطها ألا تكون على أهبة الاستعداد، وألا تتخذ كل الاحتياطات اللازمة لمواجهة الاختراق الأميركي الإسرائيلي الذي اكتشفنا أنه بلغ حدًا خياليًا؟.
كيف لم يتم تأمين حياة المرشد الأعلى على خامنئي، علماً أن ترامب شخصياً قد هدده علناً بالقتل وكذلك العديد من قادة الكيان الصهيوني؟
وإذا كانت إيران تشك في الاختراق المعادي فلماذا تلجأ للاجتماعات الموسعة للقادة المهمين؟ ولماذا لم يتم العودة للأساليب البدائية في التواصل، بحيث تصيب أجهزة العدو التقنية بالعمى؟
ألم تكن فترة الشهور الثمانية الماضية منذ عدوان حزيران كافية، لاتخاذ الاحتياطات الأساسية ومنع الاختراق أو حتى تقليله خصوصاً في مسألة حماية المرشد؟ أم أن غالبية ما كانت تقوله إيران طوال سنوات أنها قادرة على محو إسرائيل من الوجود كان مجرد ثرثرة فارغة؟!


