لم تكن البشرية بحاجة للتعبير عن اللحظة الساخرة أكثر مما كان في مؤتمر دافوس بالإعلان عن مجلس ترامب، والذي اعتُبر آخر تقليعات الرجل الذي لم يكفَّ عن إدهاشنا. فكل يوم لديه الجديد ليجعل العام مسلّياً ومخيفاً في آن، ويجعل وسائل الإعلام تجد ما تحشو به مساحاتها مطبوعة أو مرئية خبراً وتحليلاً، نحن أمام صناعة للتاريخ بكل هذه الخفة أو بالأصح أمام تجارة للتاريخ بهذه الخفة.
سخرية اللحظة أن رئيساً يجر الكرة الأرضية من قرنيها لتوقّع على رئاسته لها. هكذا لحظة ظهر فيها لويس الرابع عشر صاحب مقولة «أنا الدولة والدولة أنا» شديد التواضع، فترامب هذه المرة يقول «أنا العالم والعالم أنا» في لحظة بؤس إنساني تتكسر فيها كل ما راكمته البشرية من قواعد وقيم ونظُم حين تصبح القوة بيد ذلك الرجل الهاوِي. فالأمر بالنسبة له كأنه يفتتح شركة جديدة ويغلق أخرى قديمة، وكل ما يحتاجه هو قرار وبعض التوقيعات فقط. هكذا يُدار العالم وعلينا أن نؤهل أنفسنا لسنوات ثلاث قادمة يتم فيها إعادة فك وتركيب الكرة الأرضية إذا لم يجد هذا الرجل من يوقفه، ويبدو أن لا أحد مستعد للوقوف أمام جرافة تقوم بتجريف السياسة الدولية بهذا الوزن وهذا الاقتصاد وهذا السلاح، والقدرة على معاقبة أي أحد أو أية دولة.
هي الكوميديا السوداء التي تتجسد بعيداً عن معايير كانت الحد الأدنى لتفاهمات دولية، بعيداً عن الهيمنة أو البلطجة. فالمؤسسات الدولية التي تشكلت على أنقاض أخرى كانت جميعها تُبنى على جماجم وعظام ودم البشر الذي سال في ساحات المعارك، لكن الرئيس القادم من عالم العقار يبني مؤسسة كونية عمودها المال وشريانها النفط والغاز، كانت المؤسسات الدولية تنبني بعد مفاوضات وحوارات وتبادل مواثيق وتصورات وشراكات يكون آخرها مراسيم التوقيع، لكن هذه المرة تبلغ نرجسية ترامب ذروتها ليضع فكرته ويرغم العالم بالتوقيع، ومن لا يوقّع سيتم عقابه...!
ماكرون لا يريد الالتحاق؟ لا بأس «لا أحد يريده، سنرفع جمارك الشمبانيا والنبيذ وحينها سيأتي راكعاً» هكذا الأمر في عصر الكاوبوي والزمن الأميركي المغبّر بحوافر خيله، ومسدس سميث آند ويسون الذي يديره من فوق رأس الحصان قبل أن يعود بغنيمته أو يسحل خصمه، كما فعل بالرئيس مادورو، أو كما كبير القراصنة الأميركي مورغان الذي كان يهاجم سفن القراصنة ويسرقها، باعتباره لا يعتدي على حقوق الناس أو يسرقهم، بل يهاجم اللصوص الذين يسرقون الناس وهو بذلك يحقق العدالة.
لقد نشأت الثقافة الأميركية من خليط بين هؤلاء جميعاً، محملةً بإرث التشكيل الذي قام على أساس الاستيلاء على أراضي شعوب أصلية. وبقي هذا الإرث ثقلاً يغلف السلوك السياسي الذي حاول الزعماء المؤسسون تجاوزه، واعتبار الولايات المتحدة دولة الحريات ومحررة الشعوب وخصوصاً المحتلة منها. وقد صادف التاريخ بأن زمن صعودها ترافق مع تفكيك الإرث الاستعماري في العالم بعد النصف الأول من القرن الماضي، وتشكيل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على يد الولايات المتحدة دولة المقر، ولكن ما أن تفردت بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإذ بالقوة الكاسحة الأميركية تنفلت بلا ضوابط بإشعال حروب واحتلال دول والإطاحة برؤساء وتنصيب زعماء، ليبدو العالم في عقوده الأخيرة أشبه بحلبة مصارعة، ولكنه في عامه الأخير يبدو أشبه بحفلة سيرك تدعو للسخرية.
إنها ليست الإمبراطورية الأولى التي تسعى لحكم العالم وللهيمنة على الكرة الأرضية، لكن الفارق هو ما تمتلكه القوة الأميركية والهيمنة بلا حاجة دائمة للجيوش كما القديم، فهي ليست مضطرة، إذ يمكنها حصار دولة عن بعد وليس كما زمن طروادة، وإسقاط أنظمة بلا معارك وتشكيل تحالفات بلا مشاورات، فالقوة هي كل شيء.
صحيح أن الرؤساء السابقين لم يكونوا على هذه الدرجة من الوقاحة، لكن القادم من المجهول السياسي والمعلوم العقاري يحطم كل شيء، والسؤال ما مصير ما يصنع أو يفعل هذا الرئيس المنفلت بلا كوابح بعد مغادرته؟
هذا سؤال مبكر جداً في عالم يعدّ الأيام كي يحاول استعادة توازنه، مدركاً أنه يحتاج الكثير لإزالة آثار ترامب الذي لم يعد يفكر في جائزة نوبل ولم يعد السلام أقصى همومه كما قال، لكنه يشكل مجلساً للسلام ...! يحتاج الرئيس غير المتوقع إلى خبراء في علم النفس كي نفهم سلوكه غير المتوقع دوماً، إلا حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فهذا يمكن تخمينه بنجاح لأننا نعرف ماذا تريد إسرائيل وتبعية ترامب لها.
في ستينات وسبعينات القرن الماضي أثناء الحرب الباردة، كان المفكرون هم الأكثر قدرة على إدارة الفضاء السياسي وهم يقفون خلف الرؤساء، مرحلة محمد حسنين هيكل في الشرق، وهنري كيسنجر في الغرب، وفي تسعينات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي تنامى دور رجال المخابرات في إدارة السياسة، ليسطع نجم جورج تينيت كمثال في واشنطن، وحضور لافت لعمرو سليمان في القاهرة، أما الآن فالدور الأكبر لرجال الأعمال مثل ترامب وإيلون ماسك. هؤلاء سيحطمون كل الأسس والركائز التي قامت عليها السياسات التقليدية وهذا خطر كبير، فالعالَم بالنسبة لهم مجرد ثروات خالية من الأحاسيس والعواطف، كان دافوس عنوانه الأكثر حزناً.


