حين يسبق القلب الخبر: مونولوج في حضرة الفقد ..وصال أبو عليا

الجمعة 23 يناير 2026 12:48 م / بتوقيت القدس +2GMT
حين يسبق القلب الخبر: مونولوج في حضرة الفقد ..وصال أبو عليا



لم أكن في البيت حين استشهد مناضل.
لكنّني كنت هناك، في اللحظة التي لا زمن لها، حيث القلب يسبق العقل، والروح تعرف قبل أن تُخبَر. هناك، انكسر شيء في صدري بلا سبب، كأنّ الاسم تعثّر داخلي قبل أن يُنطق، وكأنّ الوجود أرسل إشاراته الأولى قبل أن تُقال الحقيقة بصوتٍ عالٍ.

مناضل… لم يكن اسمه محايدًا، بل موقف، نبوءة صامتة، طريق يعرف نهايته ولا يتراجع. حمل الاسم، ولم يحمله، وكان له من اسمه نصيب كامل، كأنّ المعنى اختاره قبل أن يختار الحياة.
تصرّ الفلسفة على ترتيب الأشياء: عقل، ثمّ شعور، ثمّ معرفة. لكنّ الفقد يعيد ترتيب الوجود. القلب يعرف قبل العقل، والجسد يصبح وعاءً لتلقي المعنى، لا مجرد مادة. بعض الحقائق لا تُفهم، بل تُصيب.

حين جاء الخبر، لم تكن صدمة، بل توقيع على ما كان القلب يعرفه منذ البداية. لم أستطع أن أكون معه عند الرحيل، لم يُمنح لي ترف الوداع. لم أره على سرير المشفى، ولم أتمكن من أن أمسك يده في اللحظات الأخيرة، حيث تُعرّف النهاية، الإنسان على ذاته. كان الغياب أسرع من خطواتي، والموت أكثر استعجالًا من دموعي. شعرت بأنّ جزءًا مني اختفى مع جسده قبل أن أستطيع أن أقول له: أنا هنا، وأنّك لم تكن وحدك في العتمة الأخيرة.
أن أصل متأخرة إلى استشهاد أخي يعني أن الفعل الإنساني الأساسي انتُقص: حيث الحضور عند النهاية. ومن يُحرَم الوداع، يُحرَم ترتيب حزنه. فالألم يبقى مفتوحًا، بلا شكل نهائي، بلا طقس يغلقه.
في جيبه، وجدنا كُتيبًا صغيرًا: «دعوة إلى الجنة». حجمه كما الكف، لكنّه أثقل من العالم. ووجدنا وصية بخط يده، كلمات بسيطة تحمل يقينًا لم نملكه نحن الأحياء. كأنّ الشهادة لم تكن نهايةً له، بل بدايةً لحياة أخرى، حياة تتجاوز المكان والزمان.

ودّعته في جنازته.. وحين فتح عينيه، توقّف الزمن وصار كثافة. لا حياة ولا موت، بل منطقة رمادية تعلن هشاشة كل التعريفات. احتضنته، كآخر برهان ملموس على الحضور، ذاكرة مركّزة، وطن صغير، وصوت لم يكتمل. ثم أُبعدت عنه، لكنّ الفصل القسري بين الأخت وجسد أخيها بعد الرحيل ليس تنظيمًا، بل عنف وجودي يضاعف الفقد بدل أن يحتويه.

لسنوات، كانت أغنية «رجّع الخي» طقسًا يوميًا. موسيقاها لم تكن مجرد لحن، بل ارتجاج في الصدر، تذكير بأنّ ما أريده مستحيل. كلماتها سؤال بلا جواب، ثقل يتجدد كل يوم، كأنّ الصوت يحفر في الروح ما لم يُكتب. كنت أستمع إليها لأتذكّر، لا لأتخفف، لأقاوم النسيان، لأعيد استحضار الغياب كي لا يتحول إلى عادة. بعض الموسيقى ليست عزاء، بل ذاكرة تعمل بكامل قوتها.
منذ ذلك اليوم، تغيّر معنى البيت، وتغيّر معنى الغياب. لم يعد فراغًا، بل حضورًا كثيفًا يعيد تشكيل التفاصيل الصغيرة. الغياب الوجودي لا يُمحى، بل يُعاد ترتيبه داخلنا، بالصوت، بالصمت، وبما لا يُقال.

مرت عشرون عامًا، لكنّ الاستشهاد لا يعرف الزمن الخطي. مناضل لم يمت دفعة واحدة؛ هو يموت في داخلي كلما حاولت أن أضعه في الماضي. ربما مفارقة الشهادة: أنّ الحياة البيولوجية تنتهي، بينما الزمن الأخلاقي لا نهاية له.
في فلسطين، لا يموت الشهداء مرة واحدة. هم ينتقلون من صورة إلى معنى، ومن اسم إلى ذاكرة جماعية، ومن حضور محدود إلى غياب كثيف يملأ التفاصيل. مناضل، ابن اسمه، لم يغب عن العالم، بل صار مقياسًا له.

أنا لا أبحث عنه في المكان، ولا أُنهيه في الذاكرة. أعيش معه في الداخل المفتوح، حيث القلب يسبق الخبر، وحيث كُتيب صغير، ووصية مكتوبة بخط اليد، وأغنية واحدة قادرة على أن تهز القلب كما لو أنّ الاستشهاد حدث اليوم. وحيث الفقد ليس نهاية، بل شكل آخر من أشكال الوعي.
أخي لم يرحل..هو فقط سبقنا إلى معنى لا نحتمله بعد.
وأنا، بعد عشرين عامًا، ما زلت أتعلم كيف أعيش بعده، وكيف أشرح لنفسي قبل الآخرين أنّ بعض الأحضان تبقى معلّقة، لا لأنّها ناقصة، بل لأنّها أكبر من أن تنتهي.