تلقّت الحكومة الألمانية خلال الأيام الماضية وثيقة رسمية من واشنطن تتضمّن ملامح مبادرة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأسيس ما سمّاه «مجلس السلام»، كهيئة دولية جديدة يُفترض أن تضطلع بمهام تتصل بوقف إطلاق النار في غزة وإدارة ملفات نزاعات أخرى. غير أنّ مضمون الوثيقة، وفق مصادر حكومية ألمانية، تجاوز بكثير الإطار الذي كانت تتوقعه برلين، ما دفعها إلى التعامل مع المبادرة بحذر واضح، وصولًا إلى رفضها الانضمام إليها بصيغتها الحالية.
وبحسب المعطيات المتداولة في الدوائر الدبلوماسية الأوروبية، فإن «ميثاق مجلس السلام» الذي بعثت به الإدارة الأمريكية إلى نحو ستين دولة، لا يقتصر على النزاع في غزة، بل يطرح إنشاء منظمة دولية جديدة تتخذ من ترامب نفسه رئيسا مؤسِّسا لها، مع صلاحيات واسعة في تحديد الأعضاء وآليات اتخاذ القرار، فيما رأت فيه برلين خروجا صريحا عن قواعد النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية.
وبحسب مجلة شبيغل، فإن الحكومة الألمانية، التي انتظرت خلال الأسابيع الماضية توضيحًا أمريكيًا رسميًا حول هذه المبادرة، فوجئت، بحسب مصادر مطلعة، بمحتوى الوثيقة، واعتبرت أن المقترح الأمريكي يضعف أسس التعددية الدولية ويتجاهل دور المؤسسات القائمة، وفي مقدّمها الأمم المتحدة.
جاء موقف برلين واضحًا في ردود الفعل الرسمية وغير الرسمية. ففي تصريحات مقتضبة، قالت مصادر حكومية إن ألمانيا «تدرس أي أفكار يمكن أن تسهم في دفع السلام، شريطة أن تكون منسجمة مع القانون الدولي والإطار المؤسساتي القائم». غير أنّ توجيهًا داخليًا صادرًا عن وزارة الخارجية الألمانية، وُزّع على المندوبين الدائمين لدى الاتحاد الأوروبي، كان أكثر صراحة، إذ أكد أن «الانضمام إلى مجلس السلام، بالصيغة المطروحة حاليًا، غير ممكن».
وأكدت الحكومة الألمانية أن رؤيتها للأمن والسلام الدوليين تقوم على تعزيز المنظومة القائمة، لا استبدالها. وشددت برلين على أن ميثاق الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والآليات متعددة الأطراف، تظل المرجعية الأساسية لمعالجة النزاعات الدولية، بما في ذلك الحرب في غزة. وترى أن أي مبادرة جديدة لا يمكن أن تتجاوز هذه المرجعيات أو تحلّ محلها بقرار أحادي.
شددت برلين على أن ميثاق الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والآليات متعددة الأطراف، تظل المرجعية الأساسية لمعالجة النزاعات الدولية، بما في ذلك الحرب في غزة
وبحسب شبيغل، رفضت ألمانيا أيضا الدعوة الأمريكية لحضور مراسم التوقيع على «ميثاق مجلس السلام»، والتي كان من المقرر تنظيمها على هامش منتدى دافوس الاقتصادي. وأفادت مصادر في برلين بأن المستشار الألماني فريدريش ميرتس لن يشارك في هذه المراسم، في إشارة سياسية واضحة إلى تحفظ الحكومة الألمانية على المبادرة برمّتها، وليس فقط على تفاصيلها الإجرائية.
وتربط أوساط سياسية ألمانية هذا الموقف بسياق أوسع من التباينات المتنامية بين برلين وواشنطن حيال شكل النظام الدولي. ففي حين تدعو ألمانيا وشركاؤها الأوروبيون إلى إصلاح المؤسسات الدولية من الداخل، ترى برلين أن إنشاء هيئات موازية، بصلاحيات استثنائية ومتمركزة بيد شخص واحد، من شأنه أن يقوّض قواعد السيادة وتوازنات الشرعية الدولية.
ترى برلين أن إنشاء هيئات بصلاحيات استثنائية متمركزة بيد شخص واحد، من شأنه أن يقوّض قواعد السيادة وتوازنات الشرعية الدولية
وتشير الوثيقة الأمريكية، بحسب ما اطّلعت عليه الحكومة الألمانية، إلى أن عضوية «مجلس السلام» ستكون مشروطة بدعوة من رئيسه، وأن قراراته تخضع لموافقته النهائية، إضافة إلى إمكانية تمديد العضوية مقابل مساهمات مالية ضخمة. وهو ما تعتبره برلين نموذجًا يتعارض جذريًا مع مبادئ الشفافية والمساءلة والتعددية التي قام عليها النظام الدولي بعد عام 1945.
وأكدت الحكومة الألمانية، في هذا السياق، أنها ستواصل العمل داخل الأطر الدولية المعترف بها، وستدعم أي مساعٍ سياسية أو دبلوماسية تُفضي إلى تهدئة النزاعات، شرط أن تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لا إلى مبادرات أحادية تُعيد رسم قواعد النظام العالمي من خارج المؤسسات القائمة.
وبينما يمضي الرئيس الأمريكي في الترويج لمبادرته بوصفها بديلًا أكثر «فاعلية» للمنظمات الدولية التقليدية، يبدو أن برلين اختارت، بوضوح، موقع المدافع عن الشرعية الدولية، رافضةً الانخراط في مشروع ترى فيه تهديدًا مباشرًا لمنظومة الحكم العالمي التي تشكّل، من وجهة نظرها، حجر الأساس لأي سلام مستدام.


