ما زالت القضية الإيرانيّة تُشغِل الرأي العام العالميّ، خصوصًا بعدما تراجعت واشنطن عن مهاجمة إيران، كما هدّدّت مرارًا وتكرارًا، وبحسب ما نقلته صحيفة (واشنطن بوست) عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، فإنّ نقطة التحول الأساسية جاءت بعد تلقي المبعوث الأمريكيّ ستيف ويتكوف رسالةً من وزير الخارجية الإيرانيّ عباس عراقجي، تفيد بإلغاء تنفيذ أحكام إعدام بحق نحو 800 شخص من المتظاهرين.
وتابعت المصادر: “ترامب اعتبر هذه الخطوة إشارة إلى إمكانية التأثير عبر الضغط السياسيّ والدبلوماسيّ، لا عبر العمل العسكريّ، خاصّةً بعد تأكيد الاستخبارات الأمريكية لاحقاً عدم تنفيذ الإعدامات.”
لكن، تابعت الصحيفة، “العامل الإنسانيّ لم يكن وحده وراء التراجع، فقد خلص ترامب، وفق مصادر مطلعة، إلى أنّ أيّ ضربةٍ عسكريةٍ لن تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، وأنّ كلفتها المحتملة، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، تفوق بكثير أيّ مكاسبٍ متوقعةٍ. وأكّد أحد المسؤولين أنّ ترامب توصّل إلى قناعةٍ مفادها أنّ الضربة ستكون “فوضوية”، وقد تفتح الباب أمام تصعيدٍ إقليميٍّ واسعٍ يصعب احتواؤه”.
وشدّدّت الصحيفة على أنّ الاعتبارات العسكرية لعبت دورًا حاسمًا كذلك. فالبنتاغون عبّر عن مخاوف جدية من عدم كفاية الجاهزية الأمريكيّة في الشرق الأوسط لصدّ ردٍّ إيرانيٍّ واسعٍ، في ظلّ انتشار جزءٍ من القدرات البحرية الأمريكية خارج المنطقة.
وطبقًا للمصادر عينها، شاركت إسرائيل هذا القلق، بعدما استنزفت مخزونها من الصواريخ الاعتراضية خلال المواجهات السابقة مع إيران، وأبلغت واشنطن صراحةً عدم جهوزيتها لتحمل مواجهةٍ شاملةٍ في هذه المرحلة.
إلى جانب ذلك، واجه ترامب ضغوطًا مباشرةً من حلفاء واشنطن بالمنطقة، الذين حثوا البيت الأبيض على ضبط النفس وتغليب المسار الدبلوماسيّ، وحذروا من أنّ أيّ ضربةٍ أمريكيّةٍ ستقود إلى زعزعة الاستقرار الإقليميّ الواسع، وتهديد خطوط الطاقة والتجارة.
في سياقٍ متصّل قال الجنرال الإسرائيليّ المتقاعد، إسحاق بريك، في مقالٍ نشره بصحيفة (معاريف) العبريّة إنّ “قرار ترامب بتأجيل أوْ إلغاء ضربة عسكرية مُخطط لها ضدّ إيران ليس مجرد تردد، بل هو نتاج دراسة متأنية ومحسوبة للمخاطر مقابل الفرص، ويبدو أنّ ترامب، الذي بنى سياسته على مبدأ (أمريكا أولاً)، يتصرف انطلاقًا من فهمٍ عميقٍ لثلاثة عوامل رئيسيّةٍ تُؤثر في قراراته”:
ـ اولا، “حدود القوة الجويّة وتغيير النظام، يُدرك ترامب جيدًا أن القوة الجوية، مهما كانت مُبهرةً، محدودة في قدرتها على إحداث تغييرٍ سياسيٍّ جذريٍّ. كما يُدرك أنّ القضاء على حكم خامنئي لا يمكن أنْ ينمو بشكلٍ مستدامٍ إلّا من داخل إيران نفسها، من خلال الاضطرابات الداخليّة، والضغوط الاقتصاديّة، وصحوة الشعب الإيرانيّ، كما حدث في الأسبوعين الماضيين، وقد تُؤدي الضربة العسكريّة إلى خنق هذه الحركات الاحتجاجيّة ومنح النظام شرعيةً مُتجددةً”.
ـ ثانيًا، “الخوف من حربٍ إقليميّةٍ شاملةٍ، إذْ يُخيّم شبح صراعٍ إقليميٍّ واسع النطاق على كلّ قرار، ويخشى ترامب أنّ أيّ شرارةٍ عسكريّةٍ ضدّ إيران قد تُشعل نارًا تمتد إلى العراق ولبنان وسوريّة وإسرائيل والخليج العربيّ، وفي مثل هذه الحالة، قد تُجرّ الولايات المتحدة إلى حربٍ أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط، وهو سيناريو وعد ترامب ناخبيه بتجنبه بأيّ ثمنٍ. لن تُكلّف هذه الحرب أرواحًا بشرية وموارد هائلة فحسب، بل ستُلحق ضررًا بالغًا بمكانة الرئيس الدولية وتُصوّره على أنّه قد نقض وعده الانتخابي الأهم”.
ـ ثالثًا، “الساحة الداخلية، انتخابات التجديد النصفيّ، وإجراءات العزل، تُشكّل الاعتبارات السياسيّة الداخليّة عنصرًا حاسمًا في عملية صنع القرار في البيت الأبيض. وبالنظر إلى انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس، يُدرك ترامب أنّ خسارة الأغلبية في مجلس النواب ستمنح الحزب الديمقراطيّ الأدوات القانونيّة لبدء إجراءات عزله. قد تؤدي صدمةً أمنيّةً أوْ اقتصاديّةً (مثل ارتفاعٍ حادٍّ في أسعار النفط عقب حربٍ) إلى تحويل أصوات الناخبين المترددين إلى الديمقراطيين وإضعاف قاعدته الشعبية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لاستمراره في منصبه”.
واختتم الجنرال الإسرائيليّ: “ترامب يدرك أنّ الهجوم على إيران مقامرةً سياسيّةً واستراتيجيّةً جسيمةً. إذا تحققت التوقعات القاتمة، فستنهار شعبيته عالميًا وفي الولايات المتحدة، وقد يجد نفسه يفقد السلطة قبل نهاية ولايته، وعلى الرغم من أنّ الكثيرين يجادلون بأنّ ترامب لم يتخلَّ عن الخطة العسكرية خوفًا من أنْ يُذكر كشخصٍ تصرف مثل سلفه، باراك أوباما، الذي وضع (خطوطًا حمراء) لكنّه امتنع عن العمل، يبدو أنّ أولويات ترامب مختلفة، ففي الموازنة بين فقدانٍ مؤقتٍ للمصداقية وإجراءات العزل، وربّما فقدان السلطة، يختار ترامب الخيار الأول، فبالنسبة له، الضرر الذي يلحق بالصورة هو ضرر يمكن إصلاحه من خلال حملةٍ إعلاميّةٍ فعالّةٍ أوْ إنجازٍ اقتصاديٍّ، لكنّ عملية العزل وربّما فقدان السلطة هي نقطة اللا عودة التي لا يمكن التعافي منها”.


