وجهة النظر الإسرائيليّة، لا يُعدّ الاعتراف بـ “صوماليلاند“، مجرد خطوة دبلوماسية، وتوقيته ليس من قبيل الصدفة، ففي هذا الوقت بالذات، حيث تغلي المنطقة، ويبلغ الصراع العالميّ على ممرات الشحن الحيوية والطاقة والموارد ذروته، يضع الاعتراف بأرض الصومال، إسرائيل في موقع نفوذ في قلب الساحة التي تُحدد فيها القواعد الجيوسياسية للقرن الـ 21، وكأنّها اختارت دخول الساحة التي تُرسى فيها القواعد، بدلاً من البقاء على الهامش، بحسب عنات هوخبرغ ماروم، خبيرة الجغرافيا السياسيّة والأزمات الدوليّة .
رأت ماروم، أنّ “القرار الإسرائيليّ المفاجئ بالاعتراف رسميًا بأرض الصومال، في ذروة التوترات في الساحتيْن الفلسطينيّة والإيرانيّة، وبالتزامن مع زيارة نتنياهو لواشنطن، أثار موجة ردود فعلٍ قاسيةٍ في أفريقيا والعالم العربيّ، وسارع قادة الصومال والاتحاديْن الأفريقيّ والأوروبيّ والصين والسعودية ومصر وإريتريا لوصف الخطوة بأنّها انتهاك للسيادة الصوماليّة، وألمح بعضهم لدوافع غير مباشرة تتعلق باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في أعقاب حرب غزة”.
وأضافت ماروم في مقال نشرته صحيفة (معاريف) العبريّة، أنّ “وراء هذه المعارضة العلنية صورة أوسع بكثير، فقد حوّلت إسرائيل علاقاتها السرية معها إلى خطوةٍ علنيةٍ، ما يمثل تحولاً استراتيجيًا، الأمر الذي يمنحها موطئ قدم على أحد أهم طرق التجارة في العالم، على بُعد 300 كيلومتر فقط من اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين، كما يربط القرن الأفريقيّ بمنطقة نفوذ اتفاقيات التطبيع، ويعيد تشكيل ديناميكيات القوة الإقليمية”.
في السياق عينه، رأى المستشرق الإسرائيليّ ونائب رئيس جامعة تل أبيب، البروفيسور إيال زيسر، أنّ معظم الصهاينة بالكيان لم يسمعوا قط بـ”صوماليلاند”، ومن المشكوك فيه أنّهم يعرفون حتى موقعها، وينطبق الأمر نفسه على الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الذي استخف باعتراف إسرائيل بهذه الدولة، واعترف بأنّه لا يعرف شيئًا عنها.
وأضاف زيسر في مقال نشرته صحيفة (إسرائيل هيوم) أنّ “هذا لا يُبرر التقليل من الأهمية الاستراتيجية لتعزيز العلاقات بيننا وبين صوماليلاند، وهي دولة واعدة، معتدلة ومؤيدة للغرب، ومستقرة ومزدهرة، وقد وُجدت كدولةٍ مستقلةٍ، وإنْ لم يعترف بها العالم، لما يقرب من أربعة عقود”.
وتابع: “تقع أرض الصومال في منطقة ذات أهمية أمنية وسياسية واقتصادية لإسرائيل، عند مدخل البحر الأحمر ومقابل معقل الحوثيين في اليمن”، لافتًا إلى “أنّ سعي دولة مسلمة إلى التقرب من إسرائيل يُظهر أنّ أنباء عزلتنا في العالم وفقداننا للنفوذ كانت سابقةً لأوانها. كما يتضح أنّ هناك دولًا لا تزال تتوق إلى إقامة علاقات وثيقة معنا، وتؤمن بأنّ الطريق إلى واشنطن يمر عبر إسرائيل”.
وأكّد أنّ “الأمر المهم هو أنّ إسرائيل ليست وحدها، بل تعمل بالتعاون والتنسيق مع الإمارات العربية المتحدة، التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها ونفوذها في أرض الصومال، وهي مستعدة لاستثمار الكثير من الأموال لتحقيق هذه الغاية، وكذلك مع الولايات المتحدة، التي تسعى إلى إنشاء قاعدةٍ أخرى لها في هذه المنطقة في ضوء التهديد الإيرانيّ والحوثيّ وفي ضوء النفوذ الصينيّ المتزايد في القرن الأفريقيّ”.
واعتبر أنّ “تعزيز العلاقات مع أرض الصومال ليس بمعزل عن الصورة الأوسع، التي تتمثل في إرساء نظام تعاونٍ بين إسرائيل وجيرانها، وفي مقدمتهم اليونان وقبرص، اللتان تربطهما بإسرائيل تحالف وثيق ذو طابعٍ عسكريٍّ وأمنيٍّ، إلى جانب الأردن ومصر، المرتبطتين بنا حاليًا باتفاقياتٍ اقتصاديّةٍ جعلتهما تعتمدان على إمدادات الغاز والمياه من إسرائيل، وأخيرًا، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وقّعت مؤخرًا اتفاقيات توريدٍ عسكريٍّ مع إسرائيل بمليارات الدولارات. هذه خطوة ضرورية تُكمّل وتُعمّق وتُؤمّن إنجازاتنا العسكرية خلال العامين الماضيين”، طبقًا لأقواله.
وأضاف “حلّت اليونان وقبرص محل تركيا، ويمكن إضافة رومانيا وبلغاريا إليهما، وإلى حدٍّ ما صربيا وكرواتيا، وكلّها دول كانت تابعةً للدولة العثمانية، وتدرك تمامًا مَنْ هي تركيا وما التهديد الذي قد تشكله عليها. أمّا إيران، فقد حلت محلها أذربيجان، وكازاخستان التي انضمت مؤخرًا إلى اتفاقيات أبراهام”.
وقال “تُتيح التغيرات التي شهدتها منطقتنا فرصةً سانحةً لتعميق العلاقات والتعاون مع جيراننا في كلّ مكانٍ. ويُعدّ هذا ركيزةً أساسيةً لتعزيز أمننا، إلى جانب قوتنا العسكريّة. ولا ينبغي إغفال هذا الجانب، بل من الأفضل التحدث عنه علنًا. ومن الأهمية بمكان إشراك الدول العربية المعتدلة في هذا المسعى. في الواقع، يشمل هذا معظم العالم العربيّ، وإذا ما فعلنا ذلك، فسنتمكّن من تغيير خريطة الشرق الأوسط تغييرًا جذريًا”.
وخلُص المستشرق زيسر إلى القول إنّ “تعزيز العلاقات مع أرض الصومال ليس منفصلاً عن الصورة الأوسع المتمثلة في إقامة نظام تعاونٍ بين إسرائيل وجيرانها وعلى نحوٍ خاصٍّ مع اليونان وقبرص”.
وفي الختام، نقلت صحيفة (معاريف) العبريّة، نقلاً مصادر سياسيّةٍ إسرائيليّةٍ قولها إنّ تل أبيب تدرس إمكانية الاعتراف بكيانٍ ناشئٍ في جنوب اليمن تدعمه الإمارات، وذلك بعد إعلانها الاعتراف بأرض الصومال، في خطوةٍ تهدف لإقامة تعاونٍ استراتيجيٍّ على ساحل البحر الأحمر لمواجهة جماعة (أنصار الله).


