لندن نشرت صحيفة "ذي اندبندنت" البريطانية الصادرة الجمعة جزءاً من مذكرات الفلسطيني الغزي فارس اكرم التي يصف فيها ضائقة الحياة في غزة خلال الحرب الاسرائيلية في كانون الثاني (يناير) 2009. وبعد مرور عام على تلك الحرب، يصف اكرم كيف يواصل الحداد على فقدان والده، ولكنه يستمر في الصمود من اجل طفلته التي ولدت اثناء الحرب. وفي ما يأتي نص ما كتب: "لقد مر عام منذ كنا قابعين في بيوتنا، ننتظر بدون ان يغمض لنا جفن توقف دوي انفجار القنابل. يصادف هذا الاسبوع مرور عام منذ استشهاد والدي، وهو محام عمره 48 عاما ليس له اي صلة بـ"حماس، الحركة الاسلامية التي تحكم غزة، في غارة جوية اسرائيلية من المفترض انها ضد نشطاء من "حماس". وسرعان ما سيكون عام قد انقضى منذ ولادة طفلتي الاولى بينما كانت اساطيل من سيارات الاسعاف تصطف امام قسم الطوارىء في نفس المستشفى في غزة وعلى متنها جرحى ومشوهون وقتلى. بعد 12 شهرا على اجتياح غزة، لم تتم اعادة اعمار اي منزل، ونحلم نحن- الـ 1،4 مليون شخص العالقين داخل هذه المنطقة المحاصرة- بالهروب ولكن رؤوسنا ما زالت تثقلها وتشغلها ذكريات لا يمكن تحملها. أولا جاء القصف الجوي المرعب الذي نفذته طائرات "اف 16" ثم المرحلة الثانية، الدبابات والقوات البرية. خلال الليل قصف واطلاق للقذائف. وكانت مدينة غزة في الاسابيع الثلاثة الاولى من كانون الثاني (يناير) مدينة اشباح باستثناء ساعة او ساعتين بعد ظهر كل يوم اثناء التوقف الموقت لاطلاق النار. وحينها كان الجميع يهرعون طلبا لشراء الطعام او ماء الشرب، او يسرعون، كما في حالة زوجتي، الى عيادة الامومة لاجراء فحوص ضغط الدم. كانت آلاء حاملا في الشهر التاسع بطفلتنا الاولى عندما بدأ الكابوس، وكان خوفها الكبير هو كيفية الوصول الى المستشفى عندما يأتيها المخاض. وبدأت وانا متردد في تركها مرهقةً مضطربةً في الشقة، في رواية تجاربنا في شكل مذكرات لصحيفة "ذي اندبندنت"، عبر الهاتف في كثير من الاحيان وسط الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي. كانت لدي فكرة بسيطة، عندما بدأت بارسال تقاريري، عن مدى تأثرنا بشكل مباشر بالهجوم الاسرائيلي. وقد تحطمت حياتنا بعد ساعات فقط من الهجوم البري، عندما استشهد والدي وابن عمي البالغ 17 عاما في مزرعة العائلة، بعد قصفهم بقنبلة ضخمة القتها طائرة اسرائيلية بشكل مباشر على المزرعة. كانا قد ذهبا الى هناك، الى ملاذنا المحبوب بما فيه من اشجار الليمون واللوز، للتأكد من ان حيوانات المزرعة لم تنفق جوعا خلال الحرب. نسفت المزرعة وتحولت انقاضاً وهباءً منثوراً. عثر على جثة محمود على بعد 300 متر في حقل مجاور. كنا نسمع دوي اطلاق النار من اسلحة رشاشة في الوقت الذي كنا ندفن فيه والدي ومحمود. وكانت الدبابات الاسرائيلية على بعد ثلاثة كيلومترات فقط. كانت الذكرى السنوية الاولى ليوم الصدمة ذاك مؤلمة جداً. في الطريق الى مكتبي ذهبت الى المقبرة وتلوت بعض الأدعية الصامتة على قبر والدي، ولكنني لم اتمكن من التحكم بدموعي. واستضفنا لاحقا الاقارب والجيران لتناول الطعام كعلامة احترام. بالطبع، ما زال مئات آخرون في غزة في حالة حداد على العديدين من اقاربهم. وبحلول نهاية "العملية" الاسرائيلية التي استمرت 22 يوما، والتي شنتها (اسرائيل) لمنع "حماس" من اطلاق الصواريخ على بلدات داخل اسرائيل، كان 1400 غزي قد استشهدوا، معظمهم من المدنيين. وخلال الاشهر القليلة الماضية، ساعدت عائلات على السفر الى معبر "ايريز" لاجراء مقابلات مع الشرطة العسكرية الاسرائيلية التي تحقق في وفاة احبائهم. كنت اتوق الى ابلاغهم بقصتي، ولكن العديد من المناشدات التي ارسلناها الى السلطات الاسرائيلية عن طريق منظمات مختلفة لحقوق الانسان للتحقيق في ظروف وفاة والدي بلا داع قد تم تجاهلها. لقد كان قاضيا في السلطة الفلسطينية يؤمن بحل الدولتين، وليس ارهابيا. ولكنهم لم يرغبوا في معرفة ذلك. لا تزال والدتي تحاول التغلب على حزنها لوفاة والدي. وهي تعتبر نفسها على اقل تقدير محظوظة لوقوع القرعة عليها للسفر الى مكة لاداء فريضة الحج في تشرين الثاني (نوفمبر). لم تكن مشاعر الحزن التي تعتمل في نفوسنا وحدها التي كان علينا ان نتعامل معها قبل عام من الزمن، وانما كان هناك خوف وقلق جماعيان اشتدا لدرجة تكاد لا تحتمل. اذ قام الاسرائيليون باسقاط منشورات تحذيرية تطالبنا بالجلاء عن مناطقنا، في وقت لم يكن هناك اي مكان آمن يمكننا ان نأوي اليه. أشد ما يحز في النفس ان الاسرائيليين كانوا يقولون لنا اخرجوا في الوقت الذي اغلقوا فيه كل المخارج. وفي نهاية الامر حملنا ما خف حمله من اغراضنا وانتقلنا للاقامة مع اقارب لنا غرب مدينة غزة. وكان ذلك من حسن حظنا، فالشقة التي كنا نقيم فيها تعرضت لقصف مباشر في احدى الليالي. قالت والدتي المكلومة صباح اليوم التالي: "لقد قتلوا اكرم (زوجها) ويعمدون الى تحطيم مقتنياتنا البسيطة التي خلفناها وراءنا"، وانهمرت الدموع من عينيها. بعد اثني عشر شهرا حصلنا على اثاث منزلي بديل وحصلنا على الواح زجاجية جديدة للنوافذ، ولكن ما فائدة تلك الالواح من دون اطار؟ اسرائيل لا تسمح باستيراد الالمنيوم، ما اجبرنا على تركيب اطارات موقتة قد تتهاوى في أي حين. غير ان مشاكلنا المنزلية لا تقارن بمشاكل الذين رأوا منازلهم وقد دمرتها القذائف تماما او حطمتها الدبابات اثناء انسحابها. وبلغ مجموع ما دمر من مساكن اكثر من 6000 منزل خلال العدوان الذي استمر 22 يوما. وهناك الان الاف العائلات لا يزال افراجها بين المشردين او من لا مأوى لهم. لقد ازالت "حماس" الكثير من الركام للاعداد لعملية اعادة الاعمار بعد الحرب. لكن الاعمار لم يتحقق بسبب حصار اسرائيل للقطاع الذي يعني اننا لا نستطيع ان نحصل بصورة مشروعة على معظم مواد البناء. بنت الامم المتحدة مساكن صغيرة للعائلات التي تعاني اكثر من غيرها، واستخدمت الطابوق الطيني للتغلب على الحظر الاسرائيلي على استيراد الاسمنت. واعرف رجلا كان يملك منزلا من طابقين من الاسمنت المسلح. اما اليوم فان العائلة تكتفي بمسكن صغير مصنوع من الطين. لكنه في رأيي افضل من الخيمة وان كان الامر لا يحل المشكلة بالنسبة الى غزة باكملها. ومن يستطيع دفع الايجار يقوم باستئجار مسكن في وقت ارتفعت فيه قيمة الايجار. في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، اقيم مخيم بعد انتهاء الحرب. والان انخفض عدد الخيام، وان بقيت هناك 40 خيمة يعيش في كل منها ما بين 7 و 10 عائلات. قمت في الاسبوع الماضي بزيارة الموقع والتقيت زياد خضر (67 عاما) الذي قال لي كيف ان عائلته تركت منزلها المبني من الاسمنت والمؤثث بعناية عندما اندفعت الدبابات والجرافات نحو السكان الذين يعملون في الزراعة. قال وهو يجلس على حجر خارج خيمته: "خرجنا وليس معنا الا الثياب التي نرتديها". وبالنسبة الى اولئك الذين يخيم عليهم هذا البؤس، لا معنى لان تسألهم ما الذي يرجونه من العام الجديد. الفتاة رسمية (12 سنة) تقضي معظم اليوم تدرس في خيمة العائلة، وقبل المغيب تقطع مسافة 200 متر للعودة الى منزل خالها، وتقول: "لقد فقدت مكتبي النظيف الذي كان في منزلنا المدمر، وفقدت ايضا كتبي النظيفة والمنظمة. كيفما توجهت في الخيمة تجد الرمال حولك، لكننا نشكر الله على الهدوء. اما بالنسبة الي فانني مصممة على مواصلة تعليمي، وامل ان ابني المنزل من جديد في المستقبل". يصعب علي ان اشارك رسمية تفاؤلها لان لا شيء تغير خلال الثني عشر شهراً الماضية اللهم الا ان "حماس" التي لم تتمكن من التواصل من الجماهير الا عبر اشرطة فيديو مسجلة مسبقا خلال فترة الحرب اصبحت اكثر فخارا الان . فهم يقولون تصوروا كيف ان هجوما اسرائيليا بامكانه ان يطيح بحكومات او انظمة اكبر، بينما وقفت في وجهه حركة اسلامية صغيرة لم يستطع هزيمتها. لا تزال عوامل الكارثة الحالية قائمة. فالجندي الاسرائيلي الاسير غلعاد شاليت لا يزال في الاسر رهينة لدى "حماس" منذ العام 2006 كما تواصل اسرائيل الحصار. ثم ان المصريين سيقيمون حاجزا جديدا من الصلب الان ايضا لا يمنع عنا خط الحياة الاقتصادية فحسب بل يوقف عمليات التهريب عبر الانفاق. وبدونها ستصبح الحياة يوما بعد يوم اكثر قتاما. قبل فترة قصيرة صحبت صحافيا غربيا الى السوبر ماركت. وقد ذهل الرجل حين وجد المواد الغذائية المستوردة من اسرائيل في زاوية من الثلاجة: لبن، جبن، حمص. ووجد 90 في المائة مما كان على الرفوف الاخرى قد جاء عبر الانفاق من مصر. ان افكار الناس هنا مشوشة ومحبطة كثيرا. كان لديهم اعتقاد بان المنازل سيعاد بناؤها على الاقل. لكنهم اليوم يشعرون بانهم يفقدون الامل وهو اسوأ من فقدان مساكنهم. لم يجد الناس ما يستحق الذكر او حتى لا شيء لرفع معنوياتهم. فالاطفال يحتاجون الى من يأخذ بيدهم في التعامل مع الكارثة، لكن معظم المنظمات غير الحكومية تركز على المعونة الطارئة مثل توزيع علب الاغذية. ومما يثير القلق اننا نحس بعودة الاجواء السيئة التي سبقت العدوان. ويتضاءل الامل في المصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين المتنافسين "حماس" و"فتح"، فيما تخرج اصوات اسرائيلية تهدد باستئناف الاعمال العدائية. وكلما اتسع اطار الشكوك، تنامت الاشاعات. "هل سيقع هجوم مفاجئ؟" ذلك هو السؤال الذي يتردد على ألسنة الناس. في مطلع العام صحبت زوجتي وابنتي وافراد عائلتي الاقربين الى مطعم "المنار" على شاطئ البحر. كان معنا شقيقي وخطيبته اللذان اجلا موعد زفافهما اثر وفاة والدي. وكان لا بد من عقد اجتماعنا المصغر رغم الذكريات الحلوة والمرة لان الحياة يجب ان تستمر. وفي كانون الثاني (يناير) 2009 كتبت في هذه الصحيفة ان ابنتي سمية التي ولدت في اجواء عنف وفوضى بعد 10 ايام من جنازة والدي، كانت اول ضوء في الظلام التي احاط بنا. والان ونحن نستعد للاحتفال بعيد ميلادها الاول، نجد انها تمثل مشعلاً ينير طريقنا الى الامام.