خبر : شهداء مفقودون خلال العدوان على غزة ..أسرهم تعتقد أنّ رفاتهم تبخّر أو انصهر من قوة الصواريخ الإسرائيلية الملتهبة ..تقرير عبد الغني الشامي

الجمعة 08 يناير 2010 02:47 م / بتوقيت القدس +2GMT
شهداء مفقودون خلال العدوان على غزة ..أسرهم تعتقد أنّ رفاتهم تبخّر أو انصهر من قوة الصواريخ الإسرائيلية الملتهبة ..تقرير عبد الغني الشامي



غزة / من عبد الغني الشامي / بدأ والد الشهيد حمزة الشغنوبي الذي قضى خلال الحرب على غزة، بالبحث عن جواب سيُقنع به حفيدته (بنت الشهيد)، التي لا يتجاوز عمرها الآن ثمانية عشر شهراً؛ حينما تكبر وتطلب منه زيارة قبر والدها الشهيد، والذي لم يشيِّد له ضريحاً نظراً لأنهم لم يعثروا على جثمانه بعد، منذ استشهاده قبل سنة. والشغنوبي هو أحد الشهداء الذين لم يتم العثور على جثامينهم بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، على الرغم من أنهم سقطوا بعيداً عن الحدود ولم يتمّ أسرهم من قبل قوات الاحتلال، بحسب شهود عيان كانوا قد أكدوا استشهادهم أيضاً. ويعتقد ذوو هؤلاء الشهداء أنّ جثامين أبناءهم ربما تكون "قد تبخّرت أو انصهرت" بفعل قوة لهيب تلك الصواريخ التي استهدفتهم بشكل مباشر، والتي كانت تطلقها  طائرات حربية إسرائيلية، إلاّ أنّ هذا الاعتقاد لا يسنده دليل علمي، بينما يستند الأهالي إلى روايات لشهود أكدوا لهم وجود أبنائهم حين القصف للمواقع التي سقطوا فيها. كما أنّ الجهات الرسمية والحقوقية في قطاع غزة لا تعرف شيئاً عن هؤلاء الشهداء، الذين تفتح "قدس برس" بعد سنة على العدوان الإسرائيلي ملفهم، بينما يعيش ذووهم مرارة مقتل أبنائهم وفقدان جثامينهم كذلك، فهم متشوِّقون لإلقاء النظرة الأخيرة عليهم أو على أي شيء من بقاياهم، لدفنهم حسب الشريعة الإسلامية.                                          لم يجد شيئاً من الرفاتويستذكر والد الشهيد حمزة الشغنوبي، والذي لم يجد شيئاً من جثمان نجله الشهيد ذي الاثنين والعشرين عاماً، الذي قضى في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، في الرابع من كانون الثاني (يناير) 2009؛ اللحظات الأولى لإبلاغه عن استشهاد نجله، الذي كان برفقة عدد من زملائه المقاومين بالقرب من مسجد عمرو بن العاص في الحي. ويقول عوني الشغنوبي (48 عاما) لوكالة "قدس برس"، "حينما أُبلغت عن استشهاد ابني حمزة ذهبت إلى مشفى الشفاء كي آخذ جثمانه لنقوم بدفنه حسب الشريعة الإسلامية وبدأنا رحلة بحث وتنقيب عنه وسط الشهداء والأشلاء والجرحى الذين كانوا ملقوْن على الأرض في باحة قسم استقبال المشفى، لكن لم نعثر عليه في المشفى". وأضاف الوالد المكلوم "أبلغنا بعد ذلك أحد زملائه وجيران المنطقة (المستهدفة بالقصف)، أنّ سيارات الإسعاف لم تتمكّن من التوجّه إلى المكان لانتشال جثامين الشهداء بفعل قصف (قوات الاحتلال) أي شيء يتحرّك قربهم، حيث كان الحديث يدور عن وجود ثلاثة شهداء في المكان المستهدف". وتابع الأب أنه بعد إجراء اتصالات بالصليب الأحمر تمكّن (الصليب الأحمر) من انتشال جثة زميل نجله محمد عنان (19 عاماً)، فيما تمكّن زميله الآخر أحمد شلدان (20 عاماً)، والذي كان مُصاباً، من الخروج وحده رغم إصابته بجراح خطيرة، دون العثور على جثمان نجله في المكان المستهدف. وتابع عوني الشغنوبي "ذهبنا بعد ذلك إلى المكان الذي كان فيه (ابني)، والبيت الذي دُمِّر عليه بعد القصف، وقمنا برفع أنقاض هذا المنزل وذلك من خلال جرّافات كبيرة، وقمنا بعملية تنقيب ومسح كاملة وشاملة للمنزل ولمحيطه بمساحات واسعة، دون أن نعثر على شيء منه سوى فرد من حذائه وجزء صغير من بندقيته، وكذلك بعض قطع لحمية صغيرة لا تتجاوز القطعة الواحدة حجم قطعة النقد المعدني". وأشار الشغنوبي إلى أنّ المنطقة التي كان بها نجله لم يصل لها جيش الاحتلال خلال توغّله البري، إلاّ أنهم أبلغوا الصليب الأحمر من أجل البحث عنه علّه يكون معتقلاً لدى قوات الاحتلال. وعلى إثر ذلك أبلغهم الصليب الأحمر أنّ اسمه لا يوجد في أيّ سجن إسرائيلي، كما أبلغه سكان المنطقة أنّ الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من الوصول إلى المكان، وهو ما يعني أنه لم يتم اقتياده أو أخذ جثمانه من الموقع المحدّد. وقد اتضح بعد خمسة أيام من البحث والتنقيب بمساعدة الدفاع المدني والجيران في المنطقة، أنه لم يتم العثور على أي اثر للمفقود الشغنوبي، وهو ما اضطر الأسرة إلى فتح بيت عزاء لتقبل العزاء به، على الرغم من عدم وجود رفات الابن وتعذر دفنه بالتالي. وأشار والد المواطن الفلسطيني المفقود، إلى أنهم وبعد انتهاء الحرب عادوا إلى المكان وواصلوا البحث فيه، علّهم يجدون أي شيء من جسده من أجل دفنه، مؤكداً أنّ بعض القطع الجلدية الصغيرة التي كانت تصله كان يقوم بدفنها في حديقة منزله، لأنها لا تصلح لأن يبنى لها قبراً. وأوضح الوالد أنه ذهب لزميل ابنه الذي أصيب معه في القصف، فأكد له أنه رآه قبل القصف بقليل، وأنّ القصف استهدفه بشكل مباشر.                                            شهادة وفاة .. بصعوبة                               وتسلّم الشغنوني شهادة وفاة من مشفى الشفاء في غزة بصعوبة كبيرة وبعد شهادات مشفوعة بالقسم بأنّ ابنه قد قضى في القصف، دون أن يظهر رفاته. وتسلم الأب كذلك تقريراً من الحوادث القضائية صادراً عن مشفى الشفاء، يحمل الرقم المسلسل (0116203)، وقد اطلعت "قدس برس" عليه، حيث يفيد هذا التقرير أو الشهادة بأنّ جثة ابنه أحضرت إلى المشفى عبارة عن أشلاء ممزقة، والتقرير موقع بتاريخ الثاني من شباط (فبراير) الماضي، أي بعد انتهاء الحرب بأسبوعين. ويعيش الشغنوني وزوجته وأبناؤه حالة صعبة للغاية، فهم لا يعرفون أين ذهب رفات ابنهم بعد قصفه، كما لا يعرف الأب ماذا سيقول لطفلة الشهيد إسراء، ابنة الثمانية عشر شهراً، حينما تسأله عن والدها حمزة، أو إذا ما طلبت زيارة قبره لقراءة الفاتحة عليه. ومع ذلك كلِّه؛ فربما كانت حالة الأب أفضل بكثير من وضع الأم التي باتت تعاني من مرض السكر والضغط بعد الصدمة التي تعرّضت لها بفقدان نجلها وعدم العثور حتى على جثمانه، فظلّت دموعها تنهمر بلا انقطاع على مدى سنة خلت. ويعتقد الشغنوبي أنّ جثمان ابنه قد "تبخر" من شدة القصف الذي تعرض له، أو "انصهر"، إلاّ أنّ ذلك لا يستند إلى أيِّ دليل مادي، ومع ذلك فهو لم يتوجّه إلى أي مؤسسة حقوقية أو رسمية من أجل الإبلاغ عن حقيقة عدم العثور على جثمان نجله. وقال الأب "أنا أؤمن أنّ روح الشهيد تصعد إلى بارئها فور استشهاده، وأنّ الجسد يصبح بلا روح، إلاّ أنه من حقي أن أدفن ابني ويكون له قبر أقوم بزيارته، لاسيما وأننا الآن في الذكرى السنوية للحرب".                                              رواية شاهد العيان ويروي الشاب أحمد شلدان، لـ "قدس برس"، وهو زميل الشغنوبي والوحيد الذي نجا يومها من أفراد هذه المجموعة، ماذا حصل معهم في ذلك اليوم. ويقول شلدان أنّ الشهيد الشغنوبي قام بإسعاف أحد المواطنين الذين أُصيبوا، وأوصله إلى مكان بعيد عن القصف الإسرائيلي، و"عاد إلى المكان الذي تواجدنا فيه بالقرب من مسجد عمرو بن العاص، في حي الزيتون". وأضاف شلدان "كنتُ أتواجد في بيت يبعد عن البيت الذي كان به حمزة (الشغنوبي) عشرة أمتار فقط، حيث كان في بيت مكشوف بدون جدران، وكنت أراه هو وزميله محمد عنان". وتابع شلدان "أنّ حمزة كان يجلس جلسة القرفصاء داخل البيت، ويجري اتصالات هاتفية مع سيارات الإسعاف لتصل إلى المكان لإنقاذ الجريح الذي أسعفه، وكان زميله محمد عنان مضجع على بعد متر واحد منه ليرتاح قليلاً، وفي هذه الأثناء وأنا انظر إليهم إذا بطائرة من نوع "إف 16" تحلِّق على ارتفاع منخفض جداً، وألقت صاروخاً كبيراً تجاه الشغنوبي وعنان، حيث هزّ (الموقع) انفجار وتسبب بغبار كثيف في المكان، فأصبحت لا أرى شيئاً من شدّة الغبار". ويشرح أحمد شلدان قائلاً "بعد استهدافهم بهذا الصاروخ سقط صاروخ آخر عليّ، ولكن من طائرات استطلاع (كما استنتجتُ) لأنه لم يكن مدمِّراً، فأُصِبت بجراح ونهضت، وحاولت الذهاب إلى البيت الذي قُصف فيه الشغنوبي وعنان، وكنت أسمع صوت شهقة لأحدهما، إلاّ أنه بعد ذلك تم استهدافهما بصاروخ ثانٍ وثالث من النوع ذاته، وسقط المنزل بالكامل، وقد تعرّضت لإصابة أخرى ودخلت في غيبوبة". وأضاف شلدان "بعد ذلك بقيت يوماً كاملاً أنزف، وقد أفقت من الغيبوبة وحاولت أن أزحف إلى مكان تواجدت فيه سيارات إسعاف، وقطعت مسافة طويلة في محيط المكان المستهدف دون أن أرى أيّ تواجد لقوات الاحتلال على الأرض، حتى وجدت سيارة إسعاف ونقلتني إلى المشفى". ويعتقد شلدان أنّ زميله الشغنوبي قد أُصيب بشكل مباشر بصاروخ أطلقته "إف 16" يزن طناً من المتفجرات بعد أُلقي عليه من مسافة تحليق قريبة، وأنّ ذلك قد أدّى إلى "تبخّر وانصهار جسده"، مشيراً إلى أنّ زميله الأخر الذي كان بجانبه واستشهد في الغارة كذلك قد أُصيب في رأسه، ومعالم وجهه لم تكن ظاهرة على إثر الإصابة. وعلّل شلدان "عدم انصهار" جسد زميله الآخر، الذي كان لا يبعد متراً واحداً عن الشغنوبي، بأنه كان مستلقياً على الأرض، وأنّ الصاروخ لربما اصطدم بشكل مباشر بالشغنوبي، في ما عنان أُصيب بشظاياه فقط.                                    مصدر طبي: لا علم بشهداء بلا جثامين ونفى الدكتور معاوية حسنين، مدير قسم الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية، علمهم بوجود شهداء سقطوا خلال الحرب بدون جثامين. وقال حسنين لوكالة "قدس برس"، إنه بعد انتهاء الحرب على غزة توجّهوا إلى الأماكن التي كانت توجد بها قوات الاحتلال واستخرجوا من تحت الأنقاض قرابة مائة وأربعين جثة، وتم تسليمها لذويهم ودفنها". وكشف المسؤول الصحي الفلسطيني أنّ حوالي سبع عشرة جثة تم استخراجها من منطقة عزبة عبد ربه، شمال قطاع غزة، وكانت متحللة، وقد تم شقّ قبر جماعي لهم ودفنهم هناك. وأشار الدكتور معاوية حسنين، إلى أنه تم انتشال بعض جثامين الشهداء من تحت أنقاض المقرّات التي استُهدفت، كان آخرهم قبل شهرين فقط (تشرين الثاني/ نوفمبر 2009)، بانتشال جثمان شهيد من تحت أنقاض "برج الأسرى" في منطقة تل الهوا. واتفق سمير زقوت، الباحث في "مركز الميزان لحقوق الإنسان"، مع حسنين، بأنه لا علم لديهم عن شهداء لم يستلم ذويهم جثامينهم. وقال زقوت لوكالة "قس برس"، "إنّ كافة الشهداء الذين سجّلناهم في المركز خلال الحرب، وعددهم 1414 شهيداً، لديهم استمارات كاملة، وأنهم تمّ استلام جثامينهم ودفنها". وأضاف الحقوقي "لم نعلم عن شهداء لم يستلم ذويهم جثامينهم"، موضحاً أنهم كلّفوا أثناء الحرب محاميهم للذهاب إلى السجون الإسرائيلية وإحضار كافة أسماء المعتقلين من قطاع غزة، حتى نبلغ ذويهم بأنهم معتقلون وليست في عداد الشهداء. ومع ذلك؛ فإنّ الشهيد حمزة الشغنوبي ليس الحالة الوحيدة التي عثرت عليها وكالة "قدس برس" وكشفت النقاب عنها، فهناك حالات أخرى مثل الشهيد شادي عطية، والشهيد عدنان البحصي، ورابع من عائلة الصانع، وغيرهم. فقد سقط الشهيد شادي عطية (33 عاماً) في الضربة الجوية الأولى المباغتة التي شنّها الطيران الحربي الإسرائيلي، يوم السبت 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 والتي استهدفت مقر جهاز الأمن والحماية، "مقر الرئاسة سابقاً"، غرب مدينة غزة، حيث تواجد هناك كزائر.                                      وشهيد مفقود آخر .. ولا أثر ويقول فريد عطية (36 عاماً)، شقيق شادي، أنه بعد سماع القصف "بدأنا بالاتصال بشادي لنطمئنّ عليه، إلاّ أنّ هاتفه الخلوي لم يكن يردّ، فذهبنا لنسأل عنه في مكان عمله، حيث أبلغونا هناك أنه توجّه إلى مقر (جهاز) الأمن والحماية الذي قُصف". وأضاف عطية لوكالة "قدس برس"، "توجّهنا إلى مشفى الشفاء للبحث عن شادي بين الجرحى أو في ثلاجات الموتى دون أن نجد له أثراً، حيث توجّهنا بعد ذلك إلى مقر جهاز الأمن والحماية بعدما أبلغنا أحد الجرحى ويدعى محمد المصري أنه آخر من رآه هناك". وأوضح فريد عطية أنهم بحثوا عن شقيقه بشكل جيِّد داخل المبنى المُدمّر، واستعانوا بجرافات وآليات كبيرة لرفع الركام علّهم يجدوه دون جدوى، مشيراً إلى أنهم عثروا فقط على جزء من بطاقة هويته والتي أكدت لهم أنه كان حقاً في المكان. وقال عطية "بعد بحث لمدة ثلاثة أيام لم نعثر عليه، فقمنا بفتح بيت عزاء وصلّيْنا عليه صلاة الغائب دون حضور جثمانه، وكنّا نذهب إلى أي مكان يتمّ العثور فيه على جثث أو رفات علّنا نتعرف على احدها دون جدوى". وأشار شقيق المفقود إلى أنهم استصدروا شهادة وفاة من وزارة الصحة الفلسطينية تفيد بأنّ شقيقه قد استُشهد، وقد كتب فيها أنه تمّ دفنه، "وهذا لم يحدث لأننا أصلاً لم نجد جثمانه لندفنه"، بحسب قوله. ووصف عطية حاله وحال والديه وزوج الشهيد وأطفاله الثلاثة، براء وخلود وبيان، بالصعبة للغاية، مؤكداً أنّ "استشهاده أهون بكثير من عدم العثور على جثمانه"، وقال "لا نعرف ماذا نقول لأطفاله الذين يدركون، فأكبرهم عمره تسع سنوات، لاسيما حينما يسألوننا عن أبيهم". وأضاف عطية والحيرة بادية على قسمات وجهه "الآن نقول لهم أنّ أباكم في الجنّة، ولكن غداً حينما يكبرون ويسألون عن قبره لقراءة الفاتحة له فماذا سنقول لهم؟!". وتابع فريد عطية موضحاً أنهم لم يتوجّهوا إلى أي جهة رسمية أو حقوقية للإبلاغ عن عدم العثور على جثمان شقيقه، معتبراً أنّ "الجميع يعرف هذا الأمر"، وفق تقديره، إلاّ أنه لم يصلهم أحد لسال عن ذلك.                                           آخر من شاهد الشهيد المفقود وقد كان الجريح محمد المصري (28 عاماً)، آخر من شاهد الشهيد شادي عطية حينما ودّعه قبل القصف بثوانٍ معدودة. ويتوقع المصري أن يكون الصاروخ الأوّل الذي أُطلق على مقر جهاز الأمن والحماية من طائرة من نوع "اف 16" قد أصاب عطية بشكل مباشر و"صهر جسمه" من شدّته وحممه، خلال تدميره للمقرّ. وقال المصري، والذي كان قد أُصيب بجراح خطيرة في القصف، لوكالة "قدس برس"، "قبل بدء القصف بنصف ساعة تقريباً؛ كان شادي (عطية) عندي في المكتب في مقر الأمن والحماية، وشربنا الشاي معاً، ثمّ ودعته عند باب المكتب وخرج وهو على الدرج، وما هي إلاّ ثوانٍ حتى سمعت أصوات الانفجارات تهزّ المكان". ويصف المصري الذي ظلّ بوعيه طوال تعرّض هذا المقرّ للقصف بعدد كبير من القذائف الضخمة، ما تعرّض له بأنه "كابوس كبير"، لا زال يطارده في كل ليلة. ويقول شاهد العيان "بعد القصف شعرت بالمبنى وهو يهتزّ، وقوة هواء شديدة تحاول شفطي، وبضغط كبير على أذني، وأنني غير قادر على الكلام. وسمعت صوت حديد المبنى الذي في داخل الإسمنت المسلح يتكسّر، وكأني أغرق في بحر، حتى وجدت نفسي ملقى على الأرض (بعد سقوطي) من الطابق الثاني وجسمي كلّه مدفون تحت الركام،  باستثناء رأسي ويدي اليسرى"، وفق روايته.                                          تقديرات بشأن طبيعة الذخائر وتتباين التقديرات بشأن طبيعة المواد المستخدمة في الصواريخ والقذائف الإسرائيلية، وسط احتمال بأن يكون الطيران الحربي الإسرائيلي قد استخدم خلال عمليات القصف المروِّعة متفجرات المعدن الكثيف الخامل التي لا تزال قيد التجريب، وهي تندرج تحت "الأسلحة شديدة القتل"، ولها نماذج متعددة منها سبيكة الألومنيوم واليورانيوم المنضّب، المستخدمة أمريكياً في العراق مرتين على الأقل؛ في سنة 1991 ثم في الحملة العسكرية على الفلوجة سنة 2004. وتفيد تقديرات باستخدام جيش الاحتلال أسلوب انفجار الوقود الهوائي، الذي يخلف سحابة من ذرّات الوقود التي تحترق، وتؤدي إلى تفحّم الهدف الذي يتم تعريضه لهذا النوع من الذخائر. والشهيدان الشغنوبي وعطية، تبقى حالتين لعدد من الشهداء لم يعثر ذويهم على جثامينهم أو رفاتهم، ولم يتوجّه إليهم أحد سواء جهات رسمية أو غير رسمية للوقوف الدقيق على ما جرى مع أبنائهم المفقودين، والتحقيق في ذلك من أجل الإجابة على السؤل الملحّ: أين ذهبت الجثامين؛ هل هي تبخرت حقاً أم انصهرت كما يتردّد؟ وما هو السلاح الذي يصهر تلك الأجسام ويذيبها ولا يبقى منها شيئاً. إنها أسئلة تعني ذوي الشهداء العالقين في حيرتهم المريرة منذ سنة بلا إجابات؛ ولكنها قد تحمل مفاجآت وفيرة لا تتوقف عند حدّ متوقع.   قدس برس