فورين بوليسي: عشرة نزاعات ستهيمن على عام 2024.. أهمّها غزة

الثلاثاء 02 يناير 2024 04:31 م / بتوقيت القدس +2GMT
فورين بوليسي: عشرة نزاعات ستهيمن على عام 2024.. أهمّها غزة



واشنطن/سما/

 نَشَرَتْ مجلة “فورين بوليسي” تحليلاً عن الحروب والنزاعات التي ستهيمن على عام 2024، حيث قالت إن بعض الدول ستواصل الحرب على أمل تحقيق انتصار، فيما ستحاول الأخرى حل المشاكل مع الطرف الآخر بالمفاوضات والتسويات.

واستعرضت المجلة، في تحليلها، عدداً من النزاعات التي بدأت العام الماضي، أو المستمرة منذ عقود وآفاق النصر والهزيمة، الاستمرار أم التسوية فيها.

 وتغطي خريطة النزاعات مناطق في العالم، من الشرق الأوسط، وخاصة غزة، إلى القوقاز وآسيا والكاريبي ومنطقة الساحل بأفريقيا.

 وتساءلت المجلة إن كانت الأمور ستتوقف عن التداعي، فعام 2024 بدأ بحروب مشتعلة في غزة والسودان وأوكرانيا، ولا أمل في التوصّل لتسويات سلمية. وفي بقية العالم، فشلت جهود حل النزاعات، بسبب أهداف المتنازعين، بين باحث عن انتصار وآخر عن تسوية.

في المناطق التي سكتت فيها المدافع، لم تتوقف الحرب بسبب الصفقات السياسية، ففي أفغانستان توقف القتال عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها، وسيطرت طالبان على السلطة بدون التفاوض مع منافسيها

ولاحظت المجلة أن الحروب في تزايد، منذ عام 2012، بعدما تراجعت في حقبة التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين.

وبدأت الحروب أولاً في كل من سوريا واليمن وليبيا، وكنتيجة للربيع العربي. ومن ليبيا انتشرت لمنطقة الساحل والصحراء. وتبعتها، بعد ذلك، موجات من الحرب، في عام 2020، بين أذربيجان وأرمينيا، والحرب المرعبة التي اندلعت في نفس العام بمناطق شمال إثيوبيا بين متمردي التيغراي والحكومة في أديس أبابا، ثم الحرب التي اندلعت بسبب تمسك الجيش في ميانمار بالسلطة، عام 2021، والغزو الروسي لأوكرانيا، في 2022، والحرب المدمرة في كل من السودان وغزة.

 وبسبب هذه النزاعات يموت ناس حول العالم، ويجبر الملايين على الرحيل من مناطقهم، أو يحتاجون لمساعدات تنقذ حياتهم. وفي بعض النزاعات لا مكان للحلول السلمية، فجنرالات ميانمار والأنظمة العسكرية التي سيطرت على الحكم في دول الساحل والصحراء في أفريقيا، ترفض الحوار، وتقوم بسحق المعارضة لها.

ويمثل السودان مثالاً مرعباً عن عدد الأشخاص الذين قتلوا أو شردوا. ولم تنجح الجهود الأمريكية- السعودية، وربما كانت مترددة في أحسن حالاتها.

وفي أوكرانيا، يعوّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تراجع الدعم الغربي لكييف، كي يجبر الحكومة الأوكرانية على الاستسلام ونزع السلاح وهي مطالب غير مقبولة من قادة أوكرانيا.

وعليه، لا يمكن أن تكون الدبلوماسية القائمة على إدارة تداعيات الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتبادل الأسرى بديلاً عن  المحادثات السياسية.

وفي المناطق التي سكتت فيها المدافع، لم تتوقف الحرب بسبب الصفقات السياسية، ففي أفغانستان توقف القتال عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها، وسيطرت طالبان على السلطة بدون التفاوض مع منافسيها.

وتوصل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتسوية مع منافسيه في جبهة التيغراي، ولكنها كانت لتعزيز انتصاره لا حل مشاكل ولاية التيغراي المزمنة.

وفي العام الماضي، أنهت أذربيجان، في عملية سريعة، المواجهة القائمة مع المتمردين الأرمن منذ 30 عاماً، ما أدى لرحيل جماعي لسكان المناطق في ناغورو كراباخ نحو أرمينيا.

 وبالنسبة للحروب في ليبيا وسوريا واليمن، فقد تراجعت وتيرتها بدون تسوية دائمة بين الأطراف المتنازعة. ولا يستحق المسار السلمي في كل من ليبيا وسوريا إلا الاسم، حيث ينتظر المحاربون الفرصة للسيطرة على المناطق أو السلطة.

وفي حقبة التسعينات من القرن الماضي، تم التوصل لعدد من التسويات السلمية، والتي اقتضت تنازلات مرة، من كمبوديا إلى البوسنة وليبيريا وموزامبيق، ولم تكن اتفاقيات السلام بين هذه الدول تامة، ولا يمكن النظر لهذه الحقبة التي تشوهت بالمذابح في رواندا، وسفك الدم بالبوسنة، على أنها العصر الذهبي للسلام. إلا أن هذه التسويات كانت بمثابة علامة عن مستقبل هادئ  لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. مع أن التسويات المشابهة لها قلّت في السنوات اللاحقة، فالتسوية التي أنهت الحرب الأهلية في كولومبيا، عام 2016، وتلك التي توصلت إليها مانيلا مع متمردي بنغاسامارو، عام 2014، كانت شذوذاً عن القاعدة.

ولعل الحرب في غزة، الدائرة منذ أكثر من شهرين، تذكيرٌ صارخ بفشل الدبلوماسية الدولية لحل جذور النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، فقد توقفت الجهود الدبلوماسية منذ عدة سنين، وحرف قادة العالم نظرهم عن المشكلة.

وبرعاية أمريكية، وافقت عدة دول عربية على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بدون الاهتمام بالحقوق الفلسطينية، فيما واصلت إسرائيل قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وأصبح الاحتلال أكثر شراسة. وبات حلم الدولة الفلسطينية بعيد المنال، في وقت تراجعت فيه مصداقية القيادة الفلسطينية التي عوّلت على الحوار مع إسرائيل.

ولم تبدأ الحرب في الهجوم الذي قامت به “حماس” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. بل هي تعبير عن غياب الأفق السياسي لدى قادة العالم.

والمشكلة في استمرار النزاعات حول العالم، ليست في الوساطة أو الدبلوماسية، بل في السياسة العالمية. ففي لحظة التقلّب، تتداعى القيود على استخدام القوة، وحتى عند ارتكاب التطهير العرقي والغزو. كل هذا بسبب انهيار علاقة الغرب مع روسيا، والتنافس الأمريكي- الصيني. وحتى في النزاعات غير المرتبطة بتنافس القوى العظمى، تختلف هذه القوى بشأن  الدبلوماسية الواجب اتباعها وكيفية دعمها. ويساهم عدم اليقين بشأن الولايات المتحدة وسياستها الداخلية وتأثيره على الوضع العالمي،

 ولا يمكن القول إن أمريكا في تراجع تام، بل وأظهرت السنوات الماضية نفوذها كدولة مهيمنة. وكشفت الحرب في أوكرانيا ما يمكن لواشنطن فعله للأحسن لمواجهة العدوان الروسي. وفي المقابل، كشفت أحداث غزة ما يمكن أن تسهم فيه الولايات المتحدة للأسوأ، ومن خلال منح الدعم لإسرائيل وإطلاق يدها لتدمير غزة.

ومن هنا فالوضع ليس متعلقاً بالقوة الأمريكية، ولكن الخلل والتأرجح السياسي في قلب الولايات المتحدة، والذي يترك تداعياته على دورها العالمي.

ومع اقتراب انتخابات الرئاسة الأمريكية، في 2024، وإمكانية عودة دونالد ترامب المغرم بفكرة الرجل القوي واحتقار الحلفاء، يتزايد خوف الحلفاء في أوروبا وآسيا.

وأظهرت عدة دول غير غربية حزماً في السياسة الخارجية، مثل البرازيل والهند ودول الخليج وتركيا والتي تمارس النفوذ، وهذا أمر ليس بالسيء. ولعبت القوى الوسيطة دور الضابط للقوى العظمى، إلا أن هذه الدول، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، أصبحت منخرطة في الحروب، مع أنها كانت تتهم الغرب بإطالة أمد الحروب. وأصبح للمتحاربين اليوم مناطق يبحثون فيها عن الدعم السياسي والتمويل والتسليح، أما صنّاع السلام، فليس لهم هذا، بل وأجبروا على التعامل مع المتحاربين على الأرض، إلى جانب محاولة التفاوض مع داعميهم في الخارج.

ولا تتوقف مخاطر الحروب عند الخسائر البشرية، بل وطموحات القادة المنتصرين الذين لن يردعهم أي شيء عن المواصلة، ويخشى القادة في القوقاز من جرأة أذربيجان، مثلاً، على تحدي أرمينيا عند الحدود الفاصلة بين البلدين لا نتزاع تنازلات بشأن مناطق العبور. وفي القرن الأفريقي، فربما حاول آبي أحمد، الخارج من الحرب، استخدام انتصاره على التيغراي للبحث عن مناطق عبور لبلده المغلق وممرات إلى البحر الأحمر، عبر أرتيريا.

ويلحظ أن التوجهات العالمية نحو تخفيض العدوان، والتي ميّزت النظام العالمي في العقود الماضية، تتداعى، و”الفضل” يعود للغزو الروسي لأوكرانيا. وربما شهد عام 2024 توجهاً نحو الغزو المباشر من القادة الذين لن يرضوا بسحق المعارضة في الداخل، أو دعم قوى وكيلة لهم في الخارج.

وهناك خطر آخر يظهر في قائمة 10 نزاعات يجب التركيز عليه هذا العام، هو إمكانية انتشارها. ففي الوقت الذي تحاول فيه القوى الكبرى تجنب المواجهة إلا أن النزاعات مشتعلة على خطوط الصدع الفاصلة بينها، كأوكرانيا وبحر الصين الجنوبي والبحر الأحمر وتايوان من بين عدة خطوط. وهناك مخاطر أخرى نابعة من استمرار القوى الكبرى بالحديث العفوي عن الحروب بشكل يؤدي لتطبيع النزاعات التي سيكون ثمنها باهظاً، وتورط الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة فيها.

وفي ضوء الانقسام الدولي، لا توجد فرصة لأن يضع قادة العالم خلافاتهم جانباً ويعترفوا بالوضع الخطير، ويتوصلوا لاتفاقيات تطفئ الحرائق وتقدم المتحاربين للعدالة، بدلاً من تغيير  الحدود بالقوة.

وقد يكون عام 2024 عام عودة الدبلوماسية، وتواصل للنقاط المضيئة في عام 2023، حيث توصلت السعودية وإيران، برعاية عمانية وصينية، لاتفاق يسوّي الخلافات القائمة، واعتراف قادة تركيا واليونان بعد الانتخابات بضرورة كسر الجليد، وسط المخاوف من تداعيات الغزو الروسي، إلى جانب قمة جو بايدن مع الرئيس الصيني شي جينبنع، نهاية العام الماضي، التي خففت من حرارة المواجهة.

وعلى رأس قائمة الحروب هي غزة. وتقول المجلة إن العملية الإسرائيلية نقلت النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني لفصل جديد مرعب. وربما حاولت إسرائيل تدمير ما تبقى من غزة. وأشارت المجلة لأثر الهجوم الإسرائيلي على القطاع، وتدمير معظم مدنه، وتهجير نسبة 85% من سكانه، ومقتل 22.000 فلسطيني، وإبادة عائلات بأكملها، وجيل من الأطفال بدون عائلات، وبعاهات دائمة. وعبّر بعض القادة الإسرائيليين عن أملهم لتهجير الفلسطينيين بسبب الظروف التي خلفتها الحرب.

والوضع في الضفة الغربية أسوأ، فمدنها محاصرة، والجيش يستهدفها يومياً، وزاد المستوطنون، وبدعم من حكومة بنيامين نتنياهو، هجماتهم ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. ودعمت الولايات المتحدة إسرائيل بدون شروط تقريباً.

وليس لدى نتنياهو خطة لما بعد الحرب، أو حتى نهايتها، ولا توجد أدلة عن قدرته لتدمير “حماس”، وحتى لو فعل فستنجو الحركة في جناحها السياسي والاجتماعية، وستستمر المقاومة المسلحة بشكل أو بآخر.

وتقول المجلة إنه لا توجد حالة موثوقة بأن الهجوم الذي تعرّضت له إسرائيل، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، يبرر الدمار الذي جلبته على القطاع ومجتمعه. وتعتقد أن استمرار الحرب والدمار لن يكون بداية لإحياء العملية السلمية، كما يزعم بعض القادة الغربيين، بل على العكس، ستكون نهاية المسار السياسي المعترف به، ولم يحدث في تاريخ النزاع القاتم أن أصبح السلام بعيداً جداً.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، فربما توسعت الحرب في غزة إلى نزاع إقليمي، رغم أنه لا الولايات المتحدة أو إيران والقوى التي تدعمها ترغب بالحرب. ومع أن النزاع يصبّ في صالح إيران، التي حرّكت جماعاتها الوكيلة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وزادت من الحرارة عندما اجتاحت إسرائيل غزة، وخفّفت من الضغط بعد الهدنة القصيرة، إلا أن الحرب تأتي في وقت غير مناسب لطهران، فقد جاءت بعد فترة هدوء في العلاقات مع أمريكا، مثل تبادل السجناء. وذلك بعد مرحلة مضطربة وتظاهرات عمّت إيران، إلى جانب غضب واشنطن على طهران بسبب الدعم العسكري لروسيا في حرب أوكرانيا.

لكن الحرب في غزة تمثل تحدياً لإيران، فهي لا تريد أن يتأثر حليفها المهم “حزب الله” اللبناني بها. وتشعر طهران بالضغط للتحرك مع حلفائها، وخاصة أنها حملت راية الدفاع عن فلسطين.

 ويعتقد أن طهران غاضبة من هجوم “حماس” ضد إسرائيل، وفي المقابل تعبّر “حماس” عن إحباطها من تأخّر المساعدة الإيرانية لها.

وتضم قائمة المجلة توقعات بشأن نزاعات عام 2024؛ ميانمار وإثيوبيا ومنطقة الساحل وهاييتي ونزاع أذربيجان- أرمينيا والتوتر الصيني- الأمريكي بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي.