غزة / سما / عاد الملف الفلسطيني يتصدر الاهتمامات المصرية من جديد، بعد أن انشغلت مصر (حكومة واعلاماً وشعباً) بملف تداعيات مقابلات منتخبي مصر والجزائر، ثم بانتخابات نقابة الصحافيين، وانتقلت السخونة السياسية مجددا إلى المشهد الفلسطيني، وخصوصا على الحدود بين مصر وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، حيث بدأت جملة من التطورات عشية الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة (حملة الرصاص المصبوب)، لا سيما ما أشيع عن شروع مصر في بناء سور حديدي على طول حدودها مع غزة وبعمق 18 مترا. قبل حرب {الرصاص المصبوب} بأشهر قليلة اقتحم نحو 700 ألف فلسطيني الحدود مع مصر ودمروا الجدار الحدودي، حتى أن عددا كبيرا من الفلسطينيين المحاصرين في القطاع تمكنوا من الوصول إلى محافظات مصرية في الصعيد، وهو ما اثار القاهرة التي التزمت مع ذلك سياسة هادئة لاحتواء الأزمة بإعادة الفلسطينيين الذين دخلوا إلى أراضيها بصورة غير شرعية إلى القطاع مرة أخرى.ومع اقتراب تلك المناسبات فإن تقارير صحفية مصرية وإسرائيلية على حد سواء تحدثت عن قيام مصر ببناء سور حديدي بعمق 18 مترا تحت الارض على طول حدودها مع غزة، بهدف تأمين الحدود المصرية وايقاف عمليات حفر الانفاق التي لم تنجح كافة الوسائل التي استخدمت في العثور عليها وتدميرها، لدرجة أن الفلسطينيين استخدموا حاويات ضخمة من تلك التي تستخدم في شحن ونقل البضائع لتبطين الانفاق بها والحيلولة دون تدميرها. فالأنفاق باتت تمثل الشريان الرئيسي لمختلف صور الحياة في غزة، في ضوء استمرار اغلاق بقية المعابر التي تربط غزة بإسرائيل، وأيضا معبر رفح الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي. معبر رفح رغم أن القاهرة لم تؤكد رسميا قيامها ببناء هذا السور، فإن تصريحات وزير الخارجية أحمد ابو الغيط كانت حاسمة في تأكيد حق مصر في تأمين حدودها، وعدم السماح بتكرار ما حدث في اعقاب العدوان الاسرائيلي على غزة، فيما اكد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية السفير سليمان عواد «ان مصر لا تنسى ما حدث يوم 23 يناير من العام الماضي عندما تدفق اكثر من 700 ألف فلسطيني عبر الحدود». وفي الوقت نفسه تستعد مصر لمواجهة تحركات حماس المقبلة للاحتفال بذكرى العدوان الاسرائيلي، وبينها تنظيم تظاهرات حاشدة على الحدود مع مصر، للفت انظار العالم الى استمرار الحصار والى عدم تنفيذ وعود وخطط اعادة الاعمار. وتشارك في تلك التظاهرات وفود اجنبية بدأت طلائعها بالقافلة البريطانية التي يتقدمها النائب البريطاني جورج غالاوي والتي وصلت الى الاردن في طريقها الى مصر عبر ميناء نويبع على البحر الاحمر قادمة من ميناء العقبة الاردني، وهناك مفاوضات حالية حول دخول القافلة الى مصر، حيث يهدف منظمو القافلة وحماس على السواء الى توظيف تلك القافلة للضغط على مصر،من أجل فتح معبر رفح بشكل دائم، وهو ما ترفضه القاهرة التي ترى ان ذلك يسقط الطبيعة القانونية للقطاع باعتباره أرضا فلسطينية تحتلها اسرائيل، وأن فتح المعبر وتجاوز بروتوكول تنظيم عمل المعابر الذي وقعت عليه السلطة الفلسطينية واسرائيل والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة كشاهد، من شأنه الغاء هذا البروتوكول بشكل عملي، وهو ما تريده اسرائيل للخلاص من عبء احتلالها للقطاع رغم الانسحاب الأحادي الجانب الذي قامت به في 2005 وهو ما لا ينفي كونها قوة احتلال، وان قطاع غزة ارض فلسطينية تحتله ضمن الاراضي الاخرى المحتلة سنة 1967 والتي يطالب الفلسطينيون بجلاء اسرائيل عنها، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عليها. تهريب السلاحومن المثير ان المتحدث باسم حركة حماس في لبنان اسامة حمدان قد جاهر في مؤتمر جماهيري عن بحق حماس في تهريب السلاح، والحصول عليه بكل الطرق، مشددا على ان هذا السلاح لن يستخدم ضد مصر، وهو قد اعاد الى الاذهان الغارات الاسرائيلية ضد قوافل كانت تحمل شحنات من الاسلحة والذخائر على الاراضي السودانية، وقبيل دخولها متسللة الى الصحراء المصرية في طريقها الى سيناء لتحويلها مرة جديدة الى داخل قطاع غزة، حيث لم توفر الحركة جهدا لإعادة تسليح نفسها، وهي تريد استعراض قوتها في ذكرى {الرصاصا المصبوب} للتأكيد على جهوزيتها لمواجهة إسرائيل. صفقة الأسرىورغم الاستعدادات التي تقوم بها حماس للتظاهر وتوظيف قضية الحصار الذي تتعرض له غزة للضغط على مصر من جديد، فإن الجهود المصرية الرسمية استمرت ولا تزال من أجل المساعدة في إبرام صفقة مبادلة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بمئات من الفلسطينيين، وكانت مصر قريبة من اتمام الصفقة وتسلم شاليط وديعة لديها لحين إفراج إسرائيل عن الأسرى الفلسطينيين، إلى ان فتحت حماس نافذة أخرى نحو ألمانيا التي نجحت مسبقاً في إبرام صفقات تبادل بين إسرائيل وحزب الله لرفات جنود إسرائيليين مقابل أسرى لبنانيين، والأهم هو تحقيق نوع من الاعتراف الأوروبي بحركة حماس وفتح جسور مباشرة، ثم الضغط على مصر حيث اعتقدت الحركة انها تستحق الحصول على مكاسب من مصر نتيجة إعطائها الدور الرئيسي في الوساطة مع إسرائيل لاتمام صفقة (شاليط)، وتحرير أكبر عدد من الأسرى الفلسطينيين. وغضبت مصر من تعدد الجهات التي تتفاوض لاتمام تلك الصفقة وأبلغت حركة حماس بذلك، ولكن الحركة التي تعاني الانقسام بين مجموعة «غزة» ومجموعة «دمشق» خشيت من استمرار اغضاب مصر بعد ان رفضت الحركة التوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية، الذي وقعت عليه «فتح» وعادت لتطلب استمرار الوساطة والجهود المصرية حيث قام الوزير عمر سليمان مدير المخابرات بزيارة الى اسرائيل تركزت حول ملف شاليط والاجراءات التي تقوم بها مصر على حدودها، ومن شأن تلك الاجراءات ان تعزز من قدرة مصر التفاوضية من خلال تعزيز سيطرتها على الحدود، ومنع عمليات تهريب الاسلحة والتسلل الى قطاع غزة واسرائيل نفسها، العصا والجزرةعمليا، فان السياسة المصرية تجاه حماس تتبنى الاسلوب السياسي التقليدي «العصا والجزرة»، فهناك اجراءات مشددة على الحدود تجعل من استمرار اعتماد حماس على عمليات التهريب لابقاء صور الحياة مستمرة في حدها الادنى في غزة عملا مستحيلا، وفي الوقت نفسه، فان مصر مستعدة لمساعدة الحركة سياسيا بالحصول على انتصار كبير بالافراج عن عدد كبير من الأسرى، وهو ما يخصم من رصيد السلطة وحركة فتح الأقرب سياسيا الى السياسة المصرية، على أن يتبع ذلك خطوة من جانب حماس بالتوقيع على اتفاق المصالحة، حيث ستوفر صفقة الأسرى غطاء سياسيا ملائما يمكنها من التوجه الى المصالحة مع فتح في أفضل وضع ممكن، وفتح أبواب إعادة إعمار غزة التي فشلت الحركة في القيام بها بسبب الحصار. أزمة الاخوانفي ظل أزمة جماعة الاخوان المسلمين الداخلية في أعقاب الانتخابات وما خلفتها من انقسامات، فإن مراهنة حماس على «لوبي» مصري يؤيدها في الداخل ويضغط على الحكومة لتغيير مواقفها بخصوص فتح معبر رفح بشكل دائم، تبدو غير واقعية على الاطلاق، وبغض النظر عن بعض المقالات التي يهاجم كتابها النظام المصري بضراوة بسبب بناء السور الحديدي، فإن رهان حماس على قوى داخلية مصرية تقف معها وتستطيع التأثير في الموقف الرسمي المصري يبدو مستحيلا، في ظل اجماع داخلي، عدا جماعة الاخوان وبعض القوى القومية، على حق مصر في تأمين حدودها وايقاف عمليات التهريب التي اثرت على توافر السلع الغذائية المدعومة. الايام المقبلة ستشهد مزيدا من السخونة والتوتر على صعيد الملف الفلسطيني في مصر، خصوصا العلاقة مع حماس والاوضاع في القطاع . فالحركة ستتحدد ما اذا كانت ستتبنى الخيار والتوجه المصري باتمام المصالحة تحت مظلة نجاح صفقة تبادل الأسرى واستمرار التهدئة مع اسرائيل من دون اتفاق وبهدوء تام لم يحدث ايام اتفاق التهدئة الرسمي، وبالتالي توحيد الموقف الفلسطيني والتوجه نحو مفاوضات الحل النهائي، او اعتماد خيار المواجهة والتصعيد حتى على حساب العلاقات مع مصر ومحاولة احراجها محليا وعربيا، وتصويرها على اساس انها شريك اسرائيل في حصار غزة،.ولذلك تستعد مصر هذه الايام- عبر بناء هذا السور الذي سيجعل خيارات حماس محدودة، وربما سيقنعها هذا السور بأن هناك طريقا وحيدا للتعامل مع مصر من خلال حكومتها والرؤى الاستراتيجية التي تقدمها لمصلحة القضية الفلسطينية. في ضوء ذلك، هناك حالة ترقب حذرة لمسار الأحداث في الأيام المقبلة، وما اذا كانت صفقة الاسرى ستنجح وما اذا كان السور الحديدي سيكتمل. والأهم من ذلك معرفة الى أين يؤدي ذلك كله: الى تقارب مع مصر واتمام المصالحة الفلسطينية، أم الى صدام وتوظيف عملية تبادل الأسرى وبناء السور الى مزيد من التصعيد في إطار خبرة حماس في توظيف دورها في غزة ضمن الألعاب الاقليمية الاشمل في المنطقة والتي تشمل مثلث طهران - دمشق - أنقرة!. صحيفة القبس الكويتية