من الصعب ان نعرف كم حادثة طرق اعفينا منها بفضل شعار "على الطريق لا تكن محقا، كن حكيما". واضح ان هذا الشعار لا ينجح دوما في اختبار العقل السليم. في اوضاع كثيرة جدا لا يكون تضارب بين الامرين. يمكن، واكثر جوهرية بكثير، ان يكون المرء محقا وحكيما في نفس الوقت. انظروا مثلا قرار وزير الدفاع – وطريقته – في اخراج مدرسة هار براخا من منظومة مدارس التسوية، بسبب تصريحات الحاخام اليعيزر ميلاميد رئيس المدرسة.من زاوية نظر كل اسرائيلي محب للديمقراطية فان وزير الدفاع محق تماما. مدرسة التسوية – مدرسة تلاميذها يدرسون فيها كجزء من خدمتهم العسكرية ووزارة الدفاع تدفع لها لقاء ذلك ميزانية جارية – ليست مؤسسة مدنية للتعليم العالي ولا تستحق درجة الحرية الاكاديمية لكلية او جامعة. لرئيس مدرسة كهذه محظور ان يؤيد باي شكل من الاشكال عدم طاعة جنود الجيش للاوامر القانونية على نحو ظاهر. اذا لم يتمكن من عمل ذلك، اذا كان ضميره ومعتقده يفرضان عليه الترويج للرفض، فليتفضل ويجد عملا آخر. اما اذا اصر على البقاء في منصبه دون أن يتراجع فلا مفر من الغاء علاقة المدرسة بجهاز الامن. فضلا عن ذلك، اذا كان يعتزم رؤساء مدارس التسوية الاخرى الوقوف خلف الحاخام ميلاميد، اذا ما اتخذوا بالفعل خطوات اثارة للتمرد مثل تلك التي اقترحها بعضهم امس واول أمس، لعله لن يكون مفر من الغاء التسوية باسرها. "الاقتراح المطروح على جدول الاعمال"، كما ارعبنا الحاخام شموئيل الياهو، "هو تأجيل تجنيد دفعة او دفعتين ولنرى كيف سيتدبر باراك أمره". اذا ما بذلت محاولة لتحقيق مثل هذا التهديد، فسيتعين العمل ضدها بكل الشدة. لا يمكن ان يأتي أي نهج تصالحي في الحسبان في مثل هذه الحالة.مسألة اخرى هي اذا كان وزير الدفاع المحق تصرف هذه المرة ايضا بكامل الحكمة الممكنة. وهذه المسألة على صلة بتفصيلين ثانويين ظاهرا. في أنه قيل وكتب المرة تلو الاخرى بان الحاخام ميلاميد "استدعي للاستماع، والرفض التام لاقتراحه انتظار مقال ينشر غدا في صحيفة "بشيفع". وبالفعل فان الحاخام ميلاميد لم يضن بمظاهر الاستفزاز من الغرور والاستهتار بالمعايير الرسمية السليمة. فقد تنازع مع وزير الدفاع ونائبه، مع رئيس الاركان وجنرالات الجيش الاسرائيلي. ولوح كما يمكن القول باصبع نكراء امام كل الجمهور المحافظين على القانون واستهتر بهذا الجمهور. وهو ليس جنديا في بزة الجنود وليس موظفا في وزارة الدفاع. ولما كان الحال هكذا، فانه اذا كان وزير الدفاع يريد أن يتحدث مع الحاخام ميلاميد فلا مجال لاستدعائه بل الى دعوته. ليس للاستماع – الذي يثير مسبقا تداعيات ادانة ونزعة قوة – بل الى حديث، مهما كان قاسيا ولاذعا. ليس احتراما للحاخام نفسه بل احتراما له كمواطن عادي في دولة ديمقراطية. من جهة اخرى بعد أن وعد الرجل بان يرد على الادعاءات ضده ليس أول امس بل غدا، كان يمكن اعطاؤه هذه المهلة وليس أكثر. كان يمكن القول له ببساطة انه بذلك يتخلى طواعية عن كل استيضاح مرتب ويدع لقارئيه مقاله، ولوزير الدفاع بينهم، الوصول الى الاستنتاجات المناسبة. وضمن ذلك، للاستنتاج العملي الذي كان مطروحا لو تبين من المقال بان رئيس مدرسة التسوية هار براخا لا يتراجع عن اقواله المثيرة للحفيظة. حسب كل المؤشرات، كان وزير الدفاع سيضطر الى الامر بالغاء العلاقة بين الجيش الاسرائيلي والمدرسة المذكورة حتى لو ظهر كمن يلقي الاوامر من خارج نطاق صلاحياته حتى لو مدد بيومين – ثلاثة ايام صبره. الحاجة الى تحليل راديكالي ما كانت لتقل، ولكن التوتر حولها كان سيخف بعض الشيء. في اسرائيل نهاية 2009 لا يجب التقليل من قيمة هذا التخفيف.