ينبغي التعقيب بحذر وبحكمة على البيان الفلسطيني بشأن النية لاقامة دولة مستقلة في حدود 67 ورفع الاعلان الى مجلس الامن لاقراره. واضح للفلسطينيين أنه حتى في نهاية عملية اقرار "استقلالهم" فان المنفعة العملية التي ستنشأ عن ذلك قليلة، هذا اذا نشأت اصلا، وقبول المبادرة سينهي، على نحو شبه مؤكد كل فرصة للحوار مع اسرائيل في المستقبل المنظور. مشكوك جدا بالتالي ان تتحقق المبادرة ولهذا فمرغوب فيه عدم التسرع بردود فعل غير مناسبة بل وسخيفة. ماذا يقبع في أساس المبادرة؟ عدم الثقة بين اسرائيل والفلسطينيين هو في ذروته. الفلسطينيون – في أعقاب الامريكيين – طرحوا مطلب تجميد البناء كشرط مسبق لاستئناف المحادثات السياسية وكـ "اختبار" لصدق رغبة اسرائيل في الوصول الى تسوية دائمة. وهم مقتنعون بان ليس لاسرائيل مصلحة في تسوية سياسية، سواء بسبب موضوع المستوطنات ام لاعتبارات اخرى، ورفض اسرائيل تجميد استمرار البناء هو بالنسبة لهم دليل آخر على ذلك. من هنا يسعى الفلسطينيون للضغط على اسرائيل من أجل اجبارها على قبول شرط التجميد، بهذه الصيغة او تلك، والدفع باتجاه استئناف المفاوضات السياسية. من تجربة الماضي فهموا بان الارهاب هو وسيلة سيئة لاقناع العالم والضغط على اسرائيل، وتعلموا الميزة الواضحة لاستخدام الوسائل السياسية. قضية تقرير غولدستون عادت فقط وجسدت للفلسطينيين قوة التفوق الذي لهم على اسرائيل في الجبهة السياسية العالمية وكم هي هشاشة اسرائيل في تلك الساحة. الفلسطينيون على وعي جيد للمعارضة العموم عالمية تقريبا لمواصلة التواجد الاسرائيلي، العسكري والمدني في يهودا والسامرة، والتأييد المبدئي الواسع في اوساط امم العالم لفكرة الدولة الفلسطينية. وحسب نهجهم، فان الاعتراف الواسع بعدالة حجتهم، الى جانب التآكل في المكانة الدولية لاسرائيل كفيلان بمنحهم فرصة ممتازة لاجبار اسرائيل على قبول الشروط او على احراجها على الاقل. دون جدوى حقيقية، سيكتفون بمتعة مشاهدة اسرائيل "المتصببة عرقا" والمتلوية. اسرائيل ملزمة بان تنظر باهتمام كبير في رد فعلها على الخطوة الفلسطينية، والتصريحات العابثة التي اطلقت حتى الان في هذا السياق لا تبشر بالخير. اقتراح "ضم الكتل الاستيطانية الى اسرائيل" هي فكرة لرد فعل غبي. فضلا عن الحرج السياسي الاضافي، لن يكون للضم أي معنى عملي. فالفلسطينيون على أي حال سلموا بفقدان هذه الاراضي. واحد باستثناء اسرائيل لن يعترف بسريان مفعول الضم الذي يأتي دون اتفاق. الاختلاف الواضح بين الفعل الفلسطيني ورد الفعل الاسرائيلي هو في موقف العالم: ففي الوقت الذي سيدعم اعلان الدولة الفلسطينية، على أي حال، معظم دول العالم، فانه يمكن الافتراض بان ضم الكتل لاسرائيل سيشجب من معظمها. اذا كانت غاية الخطوة الفلسطينية هي احداث حرج سياسي شديد لاسرائيل من خلال تأييد عالمي جارف للمبادرة الفلسطينية، فانه بفعل الضم ستضيف اسرائيل لنفسها حرجا اضافيا اشد واقسى في أنها ستحظى بالتنديد من الحائط الى الحائط. هكذا ايضا الدعوة الى "الغاء الاتفاقات السابقة"، والاحرى المقصود اتفاق اوسلو، هي فكرة ضارة: الغاء اتفاقات اوسلو معناه عودة السيطرة الاسرائيلية في كل مناطق يهودا والسامرة واخذ المسؤولية الفورية والكاملة عن الادارة اليومية لحياة السكان الفلسطينيين (مثلما كان حتى اوسلو). بتعبير آخر: توفير عموم الخدمات المدنية، بما فيها الامن الداخلي، الصحة، التعليم، المواصلات، الصرف الصحي، البنى التحتية، المياه والطاقة، ادارة البلديات وما شابه. وبالتالي اعادة تشغيل عشرات الاف الموظفين الفلسطينيين وبكلفة مالية تصل الى المليارات. من الصعب الفهم لماذا فعل بهذا الوضوح من العقاب الذاتي هو "رد فعل مناسب" على المبادرة الفلسطينية.