غزة / خاص سما / نبيلة الجرجاوي / لقد خلق الله الإنسان وكرمه ونعٌمه وأتاح له سبل العيش ليحيي حياة كريمة , وأحل له ما أحل وفق الإطار الشرعي والقوانين الإلهية , ليشبع رغباته وغرائزه المُلحة , ومما أحله الله ”الزواج" الذي يعتبر بوابة السكون والهدوء لحياة الاستقرار الذي يحتاجه الإنسان في مرحلته الشبابية, ليبدأ حياة جديدة وكريمة في إطار مقدس ومختلف, فيعتبر الزواج حق من حقوق الشباب كغيره من الحقوق الضرورية , وقد جاء القانون العالمي ليؤيد هذه الضرورة في سن قوانين تكفل للشباب الأحقية في ذلك حيث تنُص المادة 16 للقانون العالمي بان : للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين , بالإضافة إلى أن الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة . ومن هنا فإن تأخر الزواج يعتبر مشكلة اجتماعية خطيرة بحد ذاتها , تهدد المجتمع الفلسطيني , والتركيبة السكانية له علي اعتبار انه من المجتمعات الفتية, ولقد أشارت معطيات نشرها مركز الإحصاء الفلسطيني , إلى أن المجتمع الفلسطيني من المجتمعات الفتية , وأن نسبة المواطنين العازبين تصل إلى 39% من كلا الجنسين , تصل بين الذكور 44.5% ومقابله 34.6% للإناث . التسليم للواقع أشرف البالغ من العمر 29 عاما, يعمل في محل لتصليح الأجهزة الكهربائية ويعيش في بيت صغير جدا مع أسرة مكونة من أختين وأخوين والأم والأب الذي لا يقدر علي العمل .يقول اشرف الابن البكر والمعيل لهذه العائلة " كنت ارغب بالزواج من إحدى الفتيات , وبالفعل أتمتت خطبتها ولكن أثناء الخطوبة سرعان ما بدأت تنهال عليٌ الشروط من قِبل أهلها فأدركت أنني لا اقوي عليها , فما كان لي خيار أخر سوي الانفصال عن خطيبتي التي أحببتها". وأضاف أشرف أن راتبه بالكاد يكفي لنفقات الحياة اليومية ومتطلباتها في بيته , فكيف سيفتح بيت الزوجية الأخر ويكون مسئول عنه, ولا يمكن أيضاً أن يتزوج ويعيش مع شريكته بنفس بيت العائلة فيُعلق ساخراً :" أنا وعائلتي زيادة علي البيت وليس البيت زيادة علينا لأجلب شريكة المستقبل للعيش معنا". وأشار أشرف إلى صعوبة الوضع الاقتصادي وصعوبة الحياة التي تفرض عليه أن يضحي ويقدم تنازلات من أجل الآخرين , مضيفاً أنه ينفق علي إخوانه الذين يدرسون بالجامعة فما , عليه إلا أن يرضخ للأمر الواقع الذي يعيشه , حاله كحال الكثير من الشباب الماقتين علي الوضع الحالي السيئ الذي يعانون منه. جهود شبابيةأما بالنسبة لمحمود فقد يبدو الأمر مختلفاً نوعًا ما فهو شاب يبلغ من العمر 32 عاما , أنهي دراسته الجامعية من كليه التجارة , فهو يعمل وينفق علي أهله وعنده الإمكانيات التي قد تؤهله للزواج ومتطلباته, ولكن الأوضاع الحالية لا تساعده حيث أنه ينوي ببناء بيت أو "عش الزوجية" ليعيش هو وشريكة الحياة التي يرغب , ولكن لا يوجد ما يساعده علي ذلك لافتقار البلد بمواد البناء وإن توفرت فهي غالية جدا بأضعاف مضاعفة حيث يقول: " إن بدأت بإجراءات البناء فسأفقد كل ما أملك من نقود علي البناء ولن يبقي لي شئ من تكاليف الزواج الباهظة كالمهر وتكاليف الفرح وغيره......" علماً بأن إخوانه المتزوجون الذين يكبرونه سناً وأهله عرضوا عليه مساعدتهم فرفض ذلك بشدة معللاً: " أنا رجل عصامي لا أريد مساعدة من أحد أحب أن اجتهد وأتعب فيما أريد حتى أستشعر بحلاوة وقيمة ما أريد أن أحصل عليه ". وأضاف أنه سينتظر لربما تتحسن الأوضاع الحالية الراهنة وتحُل الأزمة أو أن تخِف حِدة غلاء الأسعار الذي يعاني منها المجتمع بأكمله والتي باتت ظاهرة لا يقوي عليها أحد . الرضا بالقدرغادة البالغة من العمر27عام تعمل مدرسة تربية إسلامية في إحدى المدارس الثانوية للبنات تؤمن بمبدأ القضاء والقدر , فتأخر الزواج بالنسبة لها هي قضية رضا بالنصيب حيث تقول : " إن قدر الله لي بالزواج من إنسان معين فهذا ما كتبه الله لي وإن لم يقدر لي ذلك فهذا نصيبي الذي يجب أن أرضا به وسأكون سعيدة فإن لم يكتبه بالدنيا فسوف يكتبه لي بالآخرة ". وجدير بالذكر أنها تمتلك قدراً جيداً من الجمال , وبينت غادة سبب تأخر زواجها بأنها تضع شروط معينة لمن سيشاركها الحياة الزوجية وأضافت : " أنا إنسانة محافظة جداً وملتزمة ومن أرغب بالزواج منه لابد أن يكون بشروط معينة وهي أن يكون هذا الشخص ملتزم , متدين , منتمي , ملتحي ". ولا تخفي علينا أنها تعمل وتساعد أهلها حيث أن دخل والدها لا يكفي للنفقات المعيشية اليومية لأن عددهم كبير في المنزل موضحة أنها الابنة الثانية وان عددهن 5 فتيات 4 صبية حيث أن الفتيات يكبرن الصبية . "رؤية المجتمع"وحول الموضوع كان لنا وقفة مع الدكتور وليد شبير اختصاصي علم اجتماع حيث يقول أن تأخر الزواج مشكلة اجتماعية خطيرة منتشرة في كل المجتمعات لكنها باتت حالة لافتة في المجتمع الفلسطيني لتزايد نسبتها بين الشباب والفتيات لأسباب معينة ولكن خلافاً لمجتمعات حاولت البحث عن حلول لا تجد في الشارع الفلسطيني من يولي اهتماماً لها. أسباب ومعوقاتوحصر د. شبير أسباب هذه الظاهرة الاجتماعية قائلاً : " أسباب تأخر زواج الفتيات يكمن في المغالاة بالمهور ومتطلبات الزواج واشتراط ذوي المؤهلات بالإضافة إلى اشتراط مستوي اجتماعي واقتصادي معين , وأما بالنسبة للذكور فقد تكمن الصعوبة حيث ضيق ذات اليد وضعف المستوي الاقتصادي , والبطالة , وعمل ذوي المؤهلات في وظائف متواضعة بالإضافة لاشتراط الزوجة العاملة لكي تساعد الشاب في تحمل أعباء الحياة ". ثقافة مجتمعوأشار حول نظرة المجتمع لهذه الظاهرة باتهامه للفتاه التي يفوتها قطار الزواج " العانس" بالنظرة القاسية والسلبية التي ترجع لثقافة المجتمع معلقاً : " أنا أرفض هذا اللفظ رفضاً قاطعاً لأنه مصطلح رجعي وقاسي جداً عندما يقال للفتاة بأنها عانس فلا يجدر بأي احد أن يطلقه لأي فتاة أو شاب متأخرين سناً عن الزواج ويجب أن ُيلغى من قاموس الثقافة المجتمعية المتداولة بين الناس " مضيفاً بأن المجتمع يحث الشباب علي الزواج ويدخل ذلك وفق معتقد اجتماعي لأنه مستمد من نظرة شرعية , حيث الاستقرار والأمن والأمان من خلال تكوين وبناء أسرة والتي تعتبر هي الخلية الأولى بالمجتمع , والتي تقوم علي أسس وطيدة ومتينة بين الزوجين . حلول علاجية وقدم د. شبير بعض الحلول للحد من هذا المرض الاجتماعي عن طريق عدة أمور منها : التيسير علي الشباب في المهور ومراعاة الوضع الراهن , تقليل مطالب الزواج ونفقاته , وتسهيل إجراءات الاحتفال بالزواج وعدم المبالغة , تفعيل مشاريع الزواج الجماعي , تفعيل دور الآباء والإخوة الذكور في البحث عن زوج صالح , اعتناء مراكز البحوث والمؤسسات العلمية والأكاديمية بمشاكل الشباب , ناهيك عن مؤسسات المجتمع المدني التي تهتم بالأسرة والمرأة والشباب وحقوق الإنسان . رؤية نفسيةأما رؤية علم النفس فيقول د. درداح الشاعر متخصص علم النفس إن تأخر الزواج من المشكلات الحالية التي تمثل عبئا كبيرا علي الحالة النفسية لكل الشباب من كلا الجنسين علي السواء , والتي تترك نتائج وأثارا سلبية تبدأ من الشعور بالقلق والضغط النفسي والعصبي علي الشباب والفتيات , مصاحب للاكتئاب المستمر وسوء في التوافق النفسي والاجتماعي, وأضاف د. الشاعر " قد تحدث أمراض جسدية مصاحبة للنفسية مثل فقدان البصر , الشلل , وأحيانا قد تصاب الفتيات بالهذيان المزمن نتيجة لضغوط من العائلة والمجتمع , ناهيك بآلام شديدة عند فترة الحيض, وأما الذكور فقد يصيبوا بآلام حادة جدا بالرأس نتيجة عدم إشباع الرغبة الجنسية ". لا يوجد خيار أخر فرغم ما نصت عليه القوانين والمواثيق الدولية بأحقية الزواج وتكوين أسرة إلا أنها لم تضمن للشباب هذا الحق علي أرض الواقع , ولم توفر لهم سبل العيش والتمتع بحياة كريمة مستقرة , فما نُص عليه سيبقي حبراً علي ورق في ظل حياة مظلمة لا يوجد بها بقعة ضوء أو شعاع أمل , فليس أمام شباب المجتمع الفلسطيني خيارُ أخر سوي أن يدفعوا أجمل سنوات حياتهم ثمنًا لظروف معيشية قاسية يعانيها المجتمع وهذا ما يجعلنا نتساءل :" إلى متى سوف يبقي هذا الشباب بين مطرقة الأوضاع والظروف الاجتماعية القاسية وسندان الثقافة المجتمعية التي لا ترحم ؟؟!