خمس سنوات مرت على رحيل القائد ..، كم تمر السنين سريعة ..، كم مرت الأيام بطيئة وثقيلة على رحيله أيضاً ..، ( 1 ) بطريقة أو بأخرى ، بطريقته الخاصة إنتصر على كل أمر واجهه ..، إنتصر على ذاته .. على كينونته الخاصة .. على نفسه .. على ماهيته ..، إنتصر على محبيه .. وعلى مريديه .. انتصر على خصومه وأعدائه ..، انتصر على الحب .. إنتصر على الكراهية .. رفض البغض .. رفض الحقد ..، رفض الشخصانية في علاقاته الإنسانية والحياتية المصيرية ، تعلم أول دروس القيادة ، بأن القائد ليس بحاقد .. والقائد ليس بحاسد . ( 2 )رفض " أنا " الدنيا ..إنتصر لِ " نحن " العليا ..،رفض الخصومة من موقع المقتدر .. وتشبث بالأخوة الصادقة .. المُعَبّرة عن الوحدة الآنية .. معْبراً من أجل المستقبل الواحد .. الذي يحتضن ويرعى ويحدب على المصير الواحد ..،. وتمسك أكثر وأكثر برفقة السلاح .. لأنه كان رفيق سلاح صادق في رفقته .. وليس عابر سبيل أو متنكر أو مستنكر لهذه الرفقة بما تمثل من إرتقاء نوعي في العلاقات بين بني البشر . وتَرْتَح بالثورة والثوار ولم يُبعدهم قط .. ولم ينأى بنفسه عنهم أبداً .. سار معهم دروب العطاء .. خلف " خطوط الهدنة " .. وترجل متنقلاً في الأراضي المحتلة ..، كان نِعم المتفهم لنفسية الثائر .. وان إختلف معه .. يتناغى وإياه ..، .كان جدلياً تجريبياً وان لم يقرأ الجدلية قط تثقفها تجريبياً في الحياة ، ولهذا إجتهد مع الثوار .. ولم يُبعدهم ، ولم يُقصِ أحداً منهم ..، لم يستغني عن طاقة أقلهم علماً أو أعظمهم ثقافة . ولم يلجأ ( وبالمطلق ) لوسيلة الاستئصال لخصومه الثوار ..، كان متواضعاً .. في قمة التواضع مع الثوار .. وفي عنفوان الكبرياء الثوري معهم ..، في آن معاً ..،. إحْتَضَن الثوار على كافة توافقاتهم مع أنفسهم واتفاقاتهم معه ومشاربهم .. وكان لهم نِعمَ الأب والأخ والابن حزمة واحدة ..، لأن فلسطين شمال بوصلة الجميع ..، رفض الاختلاف مع هؤلاء ــ الثوار ــ وفاخر أنه منهم . وشرح / مسهباً الشرح كيف كانت خطواته معهم ..، هناك .. هناك وراء الحدود .. وتباهى بتلك الأيام ومجريات أحداثها المشوقة . ( 3 )باختصار .. كان لأبي عمار تاريخ يزهو به .. وبالرغم من ضيق وقته كان يحب أن يُسامر أهل ورَبْع / رفاق المسيرة الثورية ..، نعم يعتمد على كل الطاقات الإبداعية .. ولكن الموقع المفضل في أعماقه فهو المحجوز دوماً لجيل الثوار القديم .. الذين هم في تناقص عددي ..، وهذه سُنة الحياة . وإذا غاب هؤلاء .. فكل المودة والمحبة للأبناء . حقاً .. في سياق قضيتنا الوطنية وما يحيط بهما من ملابسات ..، وياسر عرفات وما كان يُمثل من فروسية وفدائية وفردية ودكتاتورية محببة .. إنها دكتاتورية الأبوة ..، كان يفكر ، يتمعن ، يدرس ، يسأل ، يتمحص .. يُعاود التركيز ، ينشط ذهنه في الملمات .. يراهن على شعبه وأمته العربية وأصدقاء القضية ، يقرأ .. يُغرق في قراءة التفاصيل ، بل تفاصيل التفاصيل ..، ولا يتردد في اتخاذ قراره .. فالتردد في ذهنه هو الأب الشرعي للفشل ..، يأخذ القرار ويتحمل المسئولية ولا يختفي خلف أحد . ( 4 )خير ما ينطبق عليه القول .. / وشاورهم في الأمر .. وخذ قرارك .. ولا تتردد وتحمل مسئولية ذلك ..، أكثر ما كره في حياته ظاهرة حَرَد أخوة الدرب .. ولكن قلبه لم يضق بأحد واتسع لأخوة القضية ورفاق السلاح وثوار الدروب الثورية ..، هذا لأنه نام في " المغاير " وأكل منه " الدَلَم " ما أكل .. وشرب الشاي ( إذا توفر صُدفَة ) في علبة سردين لم تُغسل بالماء لقلته .. وعدم وجود الصابون ( فلا ترف معيشة ولا ترف حياة في تلك الأمكنة بل إصرار ما بعده إصرار على انتزاع الحياة لقضيتنا السياسية ) ..، وما يتعرض له الثائر المقاتل بعد مسيرة ليلية طويلة للفحات البرد .. عندما ( بَرَدَ ) العرق على ملابسه ..، لهذا عرف ( ياسر عرفات ) حقوق الثوار .. لا عقوقهم . ( 5 )فعلاً .. كان الله في عون من سيحتل مكانه ..، لأنه رمزية نضالية غير عادية ..، لا أحد يحسده على لقمته أو هدمته أو منامته .. فهي دون الحد الأدنى لضابط من ذوي الرتب الصغيرة . ومع ذلك فلا يمكنك كتابة صفحة واحدة من تاريخ فلسطين المعاصرة على مدار أكثر من أربعة عقود كاملة .. دون أن تأتي على ذكره أكثر من مرة ..، المشاركة في تأسيس حركة التحرير الفلسطيني ما بعد نكبة ( 1948 ) ..، ممارسة العمل الفدائي بلحمه وشحمه وليس ( بالريموت كونترول ) من على بُعد ..، قيادة المعركة السياسية وبلا توقف منذ الانطلاقة المسلحة ( 1/1/1965 ) وتعريض الذات للتضحية منذ تلك المرحلة وحتى رحيله ..،. ( 6 )سفر خالد .. ظاهرة إنسانية تتكرر في مراحل زمنية متباعدة .. تجود بها الأمم والشعوب والمجتمعات بَنُدْرَةِّ تُجمع عليها التجربة البشرية في عصور وحقب / وكذا في الأزمنة المختلفة ..، وإلا كيف يُفسر هذا الازدياد الكمي والكيفي في شعبيته بعد رحيله .. على كل المستويات .. على مستوى الشعب الفلسطيني .. وأمته العربية وثوار وأحرار وشرفاء العالم ..، على مستوى الأكاديمي والمثقف والعادي والراعي ..، على مستوى المتدين والملحد والكافر ..، على مستوى رجل الدين والديمقراطي والتقدمي والعَلَماني ..، على مستوى الشبيبة والشيب ..، على مستوى المرأة والرجل ..، الخ الخ . بالله ما هذا الإنسان ومن أي طين جُبِلَ ؟ وكيف يمكن تفسير ذلك .. كلما ألمت بنا مصيبة .. نتذكره نلجأ إلى ذكراه .. لعلها تمدنا بالمعين الذي لا ينضب من سر قوته .. لنستعين بها على رد المصيبة أو المصائب المحدقة بنا .. سواء من شراسة الهجمة علينا وعلى أرضنا وعلى قضيتنا أو مَنْ سوء إدارتنا لهذه المسألة أو تلك ..، أو مَنْ سوء اختيارنا لهذا القرار أو هذا الإنسان أو هذا المكان أو هذا الزمان ..، نستحث أن يُلهمنا ( ياسر عرفات ) الرد الصائب وليس المصيبة .. فكفانا مصائب ــــ منذ رحيله . ( 7 )غريب هذا الرجل .. يتعمق في كل منا بطريقته ويتعملق في كل منا بطريقته الخاصة .. إنه ( ياسر عرفات ) الذي تحبه لدرجة أنك تفتديه حياً أو ميتاً .. وتعاند ألا تحبه لدرجة أنك تفتديه حياً أو ميتاً ..، . هو القائد .. قائد الثورة .. سواءً كان يقود دورية أو يقود أرضا محتلة ، أو يقود شعباً أو يقود أمة .. أو يقود الثورة ، انه قائد الثورة ..، لم تعرف الهزيمة لها مسربة أو مستقرأ في أعماقه الهادئة أو المتأججة أو المستعرة .. رفض الهزيمة .. بل ورفض أن يطأطئ هامته لأحد ..، إذا ما غضب فغضبته المضرية لا لشخصه أو لنفسه .. غضبه لفلسطين .. وفقط لفلسطين .. ، لا يثأر من الثوار .. يثأر مع الثوار من الأعداء ..،. ( 8 ) هذه هي نفسية القائد .. فكيف به وهو القائد التاريخي والرمز النضالي .. فارس القضية وقائد ثورتها .. قائد ثورتها وهو يتحفز لينطلق من مغارة لانجاز هدف ما من أهداف الثورة ..، قائد الثورة وهو يعتلي منبر الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة ، قائد الثورة وهو المسجى بعد أن ارتقت روحه إلى ملكوت السموات العلى .. كان جسداً ناحلاً .. ولكنه روح وشخصية كاريزمية مهيبة ..،. قائد الثورة الفلسطينية .. حامل علم الثورة العالمية .. وتابوته ملفوفاً بالعلم الفلسطيني محمولاً على أكتاف ضباط الجيش الفرنسي ورئيس الجمهورية مع علية القوم يَودعهُ .. الوداع الذي يليق بالقائد ، قائد الثورة ، القائد ــ الظاهرة " الغير عادي " ..، والجميع يرقب حركة الجند ويتذكر ( ياسر عرفات ) الحريص على كل هذه المظاهر .. من أجل فلسطين وفي روح كل مشاهد رنة حزن ما تتناسب مع علاقة المرء المشاهد بالقائد . ( 9 )وينتقل الجثمان .. وتنتقل معه الهالة من عاصمة النور / عاصمة الثقافة العالمية ..، إلى القاهرة .. قاهرة المعز .. عاصمة العروبة .. عاصمة أفريقيا واسيا ، وهناك حَّدث ولا حرج ..، حيث الهرج والمرج ..، لقد آتى الجميع .. من خاصمهُ في حياته ومن صادقه .. كل ألوان الطيف / كان هناك في القاهرة .. سعيد الحظ من حظي أن يلج البوابة المؤدية لموقع التشييع .. ليلحظ الجثمان وليقف في حضرة قائد الثورة المسجّى في تابوته .. قبل أوبته إلى فلسطين ..، وكان وداعه .. الوداع الذي يليق بعطاء القائد .. قائد الثورة . قائد الثورة ، القادر على صنع الحرب ، القادر على صنع السلام ،.. وليس أي سلام .. بل السلام الفلسطيني .. سلام الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني .. جنَّد المرحلية لخدمة إستراتيجية الثوابت الوطنية وليس العكس ..، ولما كانت الأرض هي هدف أهداف الصراع الدائر رحاه على أديمها .. فلقد جهد لاسترداد الأرض .. لا يهمهُ ماذا سيقول هذا وماذا سيصفهُ ذاك .. وأي نعث ينتظره من هذه الفئة أو تلك الشريحة . المهم استرداد الأرض .. وبعدها يتحتم التعامل مع الفكرة القائلة " الثابت الوحيد في السياسة هو المتغير " . ( 10 )عاد قائد الثورة .. استقبلته جماهير شعبه .. كما يحب أن يكون عليه اللقاء ..، لا معنى لاستقبال ( ياسر عرفات ) رئيساً .. فسيكون من بعده رؤساء كُثر .. ولكنه قائد الثورة الفلسطينية المعاصرة .. أعظم ثورات التاريخ ..، إنه " سبارتاكوس " الحقبة التاريخية الراهنة ..، أُستقبل في رام الله .. ولو خيرناه بين عدة نماذج لاستقبال تابوته الملفوف بالعلم الفلسطيني لوقع اختيارهُ على النموذج الذي مارسه شعبه .. لقد شعر كل منا .. في رام الله أو ممن يشاهدون رحيله على شاشات الفضائيات أنه يُطل علينا جميعاً ، يطل على كل من شاهده / بشخصه مباشرة .. لقد كان يشد على أيادينا فرداً فرداً ويقبل الجميع ذكوراً وإناثا .. شبيبة وشيباً ..، . ( 11 )رحل وترك فراغاً ليس سهلاً ، ولما كانت الطبيعة لا تسمح بالفراغ .. فلقد وقعنا في الحيص بيص ..، رحل وكلما مر طارئ عاصف .. تداعينا نفسياً وإنسانيا وتَرَحَمنا عليه أكثر .. وأكثر . نحتضن ذكراه .. يتذكر كل منا تفاصيل لقاءاته ويسحبه التذكر بعيداً بعيداً .. ويلعن لحظات اختلافه معه . رحل قائد الثورة .. قبلت فلسطين بقيادته من أقصاها لأقصاها ، ـــــ " التكني كالَر " السياسي الفلسطيني الجميل / كما زركشة تلاوين التطريز في الثوب الفلسطيني ..، كل قَبِلَ به قائداً لثورته ..، إختلفوا معه وأيدوه .. راهنوا دوماً على وطنيته وما خاب رهانهم قط ..، دمعت عيونهم دمعاً قاسياً عند رحيله ، ومنذ رحيله ربما صح القول : ـ يا وحدنا ، لمدة ليست باليسيرة ولا بالهينة ..،. ( 12 )لست من عبدة الأصنام البشرية .. نعم لست من عبدة الأفراد ..، ولكن كلمة الحق تعبّر عن ذاتها .. إن لم تجد من ينطقها ..،. رحل قائد الثورة وآخر ما نطق به من أمر .. " لأمين مال الأمة " : ـ " يا حبيبي يا أبو خالد ، لازم تدفع المعاشات للموظفين ، فنحن في الأيام العشرة الأخيرة لرمضان ، ولا تنسى اللاجئين في المخيمات اللبنانية دول أهلي وحبايبي " : لو لم يقل في حياته إلا هذه الجملة ( بكل معانيها ومضامينها وأبعادها ) لكفاه ، وبعدها مباشرة دخل في غيبوبة ..، انتصر على الكثير الكثير في حياته .. انتصر على أشياء وأمور ومهام نعلمها ومسائل لا نعلمها ..، رحل ورحلت أسراراً كثيرة معه ..، انتصر على الكثير في حياته ..، وأخيراً انتصرت الغيبوبة عليه .. توطئة لانتصار أخر سيؤلمنا جميعاً ..،. ( 13 )( ياسر عرفات ) .. الذي أحب الحياة وكره طيب العيش ، كان فناناً عاشقاً .. نعم كل فنان إنسان ولكن كل ثائر ــ أصلاً ــ فنان .. وهذا هو ( ياسر عرفات ) يقول :ـ " أخيراً وجدت المرأة التي قبلت بي زوجاً ، رغم معرفتها بنمط حياتي ، وليكون الله في عون سهى . أنا في الواقع أرثي لحالها ، فَمُهمتُها شبه مستحيلة " . إن له الحق كل الحق أن تكون له زوجة .. وله الحق كل الحق أن يختار هذه الزوجة اختياره الحر .. أسوة بنا جميعاً . ( 14 )كان الفلسطيني الثاني ( بعد الشيخ ظاهر العُمر ) الذي يحكم في ديار فلسطين .. جاء للحُكُم / ليس بلا مراكمة سابقة فحسب ، بل وفي ظل عداء مستفحل .. جذوره وقوامه وأصوله وفروعه .. قائم على صراع البقاء ، وانتصر القائد .. لأنه انتصر للقضية الوطنية أرضاً وشعباً وثورة ..، فأنتصر له الشعب . وعاش مؤقتاً في هذه الحياة / 75 عاماً / عاشها بالصدفة بين حقول الألغام العشوائية .. نعم بمحض الصدفة ..، ومات مؤقتاً لأنه لا زال يحيا بين ظهرانينا .. بل ويزداد حبنا له أكثر وأكثر .. عندما نفتقده في الملمات .. ودفن مؤقتاً إلى أن يُجبر الاحتلال على مغادرة القدس كرهاً .. لينقله شعبنا سيراً على الأقدام محمولاً على الأكف من مثواه المؤقت .. إلى قبره الأخير في القدس .. حيث أحب أن يكون قبره ..،. همسة في أذنك في قبرك المؤقت ..، شلال دماء الشهداء لن يذهب هدراً وشعبك يكتب سفر الحرية بأحرف من نار ونور ، نار تحرق الأعداء .. ونور ينير درب شمال بوصلتك إلى فلسطين . وحقاً ما كنت لتكون .. كما نذكرك الآن ، لولا أُخوَة مؤسسين وطلائعيين عظام شاركتهم المسيرة .. نعم حفرتم بأظافركم وجهدتم بعرقكم وسكبتم دماءَكم ، فكان لكم النِصاب في الجنة .. ، وأقول لك يا " ختيار " لقد إنعقد المؤتمر الحركي العام السادس .. ، وبالرغم من كل ما قيل هنا وهناك وتناقله القوم حقاً وباطلاً ، فلقد أدينا التحية للمؤتمر ونتائجه ..، وعملنا بقولكم في " فلسطيننا ــ نداء الحياة " لا تلعن الظلام .. أشعل شمعة .. الرحمة لشهداء الحرية عبر التاريخ . شكراً يا أبا عمار ..شكراً يا ياسر عرفات ..شكراً يا قائد الثورة ..شكراً على رحيلك ..لقد جعلتنا نعرف غيرك أكثر ..وجعلتنا نحبك أكثر وأكثر وأكثر ..،.هل كل هذا وهو بعض من فيض .. وفيض من غيظ .. ، أتريدنا أن نغلق بيت عزاؤك .. لا والله إلى اللقاء .. فإنه خير من هذا البقاء . ــ رام الله - فجر 11 /11 /2009