مثل طفل لجوج وعسير الفهم، يصر على ان يتدافع نحو الملعب ولا يفهم بانه غير مرغوب فيه وغير منتمٍ، هكذا اسرائيل لا تفهم حقا بان مكانها في اللعبة الجديدة للعالم، حيال ايران هي، في افضل الاحوال، مشاهد من المنصة، بل وليس من منصة الشرف. اسرائيل الرسمية، الصحافية، وكذا بالطبع تلك لـ "المواطن الصغير" الذي يعقب على الانترنت، لا تفهم بعد بان فجر يوم جديد انبلج على العلم الاسود الذي يرافقنا باخلاص منذ عشرين سنة ويحمل اسم "التهديد الايراني". الاسبوع الماضي وقع للسياسة الاسرائيلية خلل محرج. بعد ثلاثة ايام من سب وشتم وزير الدفاع باراك وصده الماء البارد على مسودة اتفاق التجميد الجزئي لانتاج اليورانيوم في ايران، جاء رئيسه، رئيس الوزراء نتنياهو وادعى بان هذا الدنس بالذات حلال، وان الحديث يدور في واقع الامر عن خطوة ايجابية ومشجعة. كلاهما قرأ ذات الوثيقة، كلاهما يفكران به بامور مشابهة، وباراك – لغرض التغيير – لم يزل ولم يخطىء. بل انه نسق الصيغة مع نتنياهو. الموضوع هو انه بين الخطاب الشديد لباراك وبين الاقوال المتصالحة لنتنياهو، وقع أمر حاسم. هاتف جاء من واشنطن سعى الى الايضاح للرفاق القلقين في القدس نقطتين. الاولى، الولايات المتحدة واوباما على نحو خاص يريان في الاتفاق المتبلور تطورا ممتازا، بل دراماتيكيا، واساسا نتيجة حكمة واصرار الرئيس. والثانية، اسرائيل مطالبة بالا تتدخل. وهي ستتلقى تقارير كاملة عن كل ما يحصل، ولكنها لن تكون جزءا علنيا او خفيا من هذه الخطوات. مسدس الحوار الذي وضعه اوباما على الطاولة في المعركة الاولى يطلق النار في المعركة الثانية – والعرض لا يزال بعيدا عن الانتهاء. كل من يعتقد بان ايران ضللت العالم وتسير بسرعة بكل الوسائل لتصبح قوة عظمى نووية، يرى في هذه الاتفاقات اساسا ثغرات وثغور. العالم، من جهته، ذاك الذي يشارك بالفعل ويدير الاتصالات يفضل التفكير بانجاز هام في معركة الصد. ايران، من ناحيتها، تعود الان بضع خطوات الى الوراء في كل ما يتعلق بالمادة التي هي موجودة منذ الان في مفاعلاتها، وبالنسبة للمستقبل، ستكون مداولات، سيكون حوار، ولن يكون في هذه الاثناء أي خيار عسكري. اسرائيل تجد صعوبة في التخلص من "التهديد الايراني" في صيغته القديمة. فضلا عن القلق المفهوم والحاجة الى الاستعداد والتخطيط على المستويات العسكرية والاستخبارية، شكلت اشارة التحذير لسبعة ايام حجة الغيبة للامتناع عن خطوات سياسية ذات مغزى ودعوة صاخبة الى الاجتماع حول شعلة القبيلة. المعلومات الحقيقية عما يحصل تحت الارض في ايران ليست معروفة للجمهور ولا لاغلبية اولئك الذين يعربون عنها الرأي ويتخذون منها موقفا. المعلومات الاستخبارية القليلة الموجودة حقا، صارت على مدى السنين مجالا غير قليل للاستخدام الانتهازي الذي لم يراعي الحقائق حقا. الان حان الوقت لان نفهم بان الزمن تغير. ويجدر البدء بالتفكير في سيناريو الرعب، الذي يهدد بقدر لا يقل عن التهديد الايراني. اذا كان العالم بالفعل يسير نحو تخفيض حقيقي للنشاط النووي العسكري ونحو رقابة وثيقة لم يكن لها مثيل في الماضي، فانه يقترب اليوم الذي يدق فيه اوباما ورفاقه بوابات ديمونا. اذا كانت محقة المنشورات الاجنبية عما يحصل هناك فمن الصعب التصديق بان مثل هذا الاتفاق او غيره مع ايران ومع روسيا لن يترافق واتفاق آخر للكف عن السماح لاسرائيل بالتصرف في العالم النووي الجديد كآخر لاعب يحق لاحد ان يتدخل في شؤونه. وبدلا من مكافحة مثل هذه الاتفاقات او غيرها، والتي لن يكون لاسرائيل فيها دور، من الافضل الاستعداد لليوم الذي نكون فيه مطالبين بتلقي الحماية الامريكية من الرغبة في النبش في اماكننا الاكثر حميمية. في هذه اللحظات سنحتاج لاوباما حتى اكثر مما احتجنا له في تقرير غولدستون. الاصلاح السريع الذي اجراه نتنياهو على تصريحات باراك قد يكون الشهادة على أن هذا الفهم بدأ يتسلل الى عقولنا.