السفراء لم يأتوا. ايلان بابه استقبل بهتافات التحقير، ولكن في عرابة سارت مسيرة كبرى، منضبطة، موحدة وهشة. من مدخل سخنين وحتى الميدان المركزي في عرابة لم يظهر شرطي واحد. قرار فهيم من الشرطة، بالطبع، ولكن ايضا تعبير عن ان مظاهرة عرب اسرائيل تجري بعيدا عن مركز الاهتمام في اسرائيل. العنف وحده كان سيغير الصورة. ولكن لم يثر أي عنف، والحدث بأسره حمل طابعا مرتبا ومنضبطا. ومع ان الخطابات القليلة التي القيت وجهت الى الحكومة، الا ان الحديث ارتسم كموضوع داخلي للعرب مواطني اسرائيل. وبصفته هذه، سجل نجاحا – لمحمد بركة، الذي ثبت مكانه كرائد للسياسة، للحركة الاسلامية التي جلبت الاف المتظاهرين الشبان بالباصات من القرى والمدن البعيدة، لمؤيدي احمد الطيبي وللجمهور بأسره الذي تنازل ليوم واحد عن الخلافات وملأ شوارع عرابة باعلام فلسطين والاعلام الحمراء (الجبهة الديمقراطية – حداث)، الصفراء (حركة التجدد) والخضراء (الحركة الاسلامية). منظمون جيدا، أطلق رواد الجماعات المختلفة هتافات متواترة واستجيبوا حسب الترتيب. وعدوا بالانتقام للقتلى، انشدوا بانفعال "اراضي الجليل تدعونا، هي لنا"، والنشيد الذي اصبح نشيد الانتفاضة الثانية "وين الملايين" (ليأتوا للنجدة)، وساروا بنشاط حتى ساحة السوق. هناك، في الفضاء الواسع والفارغ، احتشد الجميع حول المنصة الصغيرة. فتيان وفتيات من كفر مندا جاءوا ليستذكروا رفيقهم الذي قتل في العام 2000، بقمصان رسمت عليها صورة الطفل اللاجيء حنضلة، الذي يدير ظهره ويشبك يديه خلف ظهره (الشخصية الرمزية التي رسمها الرسام الكاريكاتوري ناجي العلي، الذي قتل في لندن)، وكلمات "نحن سنبقى هنا، كشجرة زيتون"، من قصيدة توفيق زياد. موجه الحفل تلا ايات من القرآن ورئيس مجلس عرابة صعد للخطابة. بكلمة قصيرة وعد بمواصلة الكفاح ضد اجراءات التمييز المتشددة، القوانين المميزة ومظاهر العنصرية. وقال: "كلها ستتحطم على الصخرة القوية، المتينة، لوجودنا هنا". الجمهور ابتسم لسماعه التلميح شديد الوضوح عن "صخرة وجودنا" لنتنياهو. غير أنه كان من الصعب عدم ملاحظة الحزن والتعب في عيون الكثيرين. السفراء الذين وعدوا بالمجيء خيبوا الامل، واول أمس مساء وقع جدال مرير بين رجال الجبهة الديمقراطية الذين دعوا خطيبا يهوديا، وبين رجال الحركة الاسلامية والتجمع الديمقراطي الذين رفضوا سماع ذلك. وفي الختام توصلوا الى حل وسط على المؤرخ ايلان بابه، ومع أن هذا القى خطابا حماسيا ضد الصهيونية ("المشكلة بدأت مع المستوطنين قبل 120 سنة")، ولكن اقواله ضاعت بين هتافات التحقير: بعضها ضد يهوديته، بعضها ضد "سيطرة" الجبهة الديمقراطية حداش. قبل المساء انتهى المهرجان والشبان الذي تفرقوا لم يعرفوا كيف يصفوا بالضبط على ماذا كان: المساواة، الاراضي، قتلى تشرين، البناء في القدس، غزة – ولعله كل ذلك. شيء واحد كان واضحا كالشمس: بعيدا عن تل أبيب، وتحت ظل الجور والزهد المؤطر تتكاتف تيارات ايديولوجية مختلفة في اوساط الجمهور العربي لتخلق حركة وطنية جديدة: اديبة ولكن يائسة وهشة.