بعد 21 سنة من انتهاء ولايته كسفير اسرائيل في الامم المتحدة، عاد أمس رئيس الوزراء الى ساحة الجريمة، قاعة الجمعية العمومية للمنظمة التي وصفت في العام 1991 الصهيونية بالعنصرية واتهمت في العام 2009 اسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة. لقد أثبت بنيامين نتنياهو أمس بأنه هو والامم المتحدة ثنائي كان ولا يزال مظفرا. أفضل عرض في المدينة. من على هذه المنصة علا نجمه في المرة الاولى كسفير لاسرائيل. ومنه انطلق فورا الى المكان الاول في الانتخابات التمهيدية لليكود في 1988 والى هناك عاد أمس. شعره ابيض في هذه الاثناء، مثل الوضع ايضا، ولكنه عاد كمنتصر. كان هذا خطابا ممتازا. مكتوب جيدا، مبني بطوابق، القي بالنبرة السليمة. ببطء، بانضباط، بحزم. في النصف ساعة التي تحدث فيها كاد نتنياهو يمثلنا جميعا. التيار المركزي الاسرائيلي سوي العقل – من ميرتس حتى الاتحاد الوطني، من شيلي يحيموفتش الى بيني بيغن – وقفوا خلفه. يخيل لي أن بعضا من النواب العرب كانوا سيوقعون على أجزاء من خطابه، ولا سيما تلك التي عنيت بايران. حين وصل الى أفعال حماس في غزة، نهضت الممثلة الفلسطينية الاخيرة في القاعة، جمعت اغراضها وخرجت احتجاجا. وقد تكون تذكرت ما فعله الحماسيون لابناء شعبها منذ وقت غير بعيد حين القوا ضباطا فلسطينيين من الطابق الـ 15، اطلقوا النار على الارجل، اعدموا بالجملة وذبحوا في الازقة؟ نتنياهو حدد اهدافا واتجه اليها. باسلوب غير دبلوماسي، بلغة قاسية، مزق اللثام عن الازدواجية الاخلاقية العالمية التي تبدأ بالتصفيق لاحمدي نجاد وتنتهي بتقرير غولدستون. الهدف الاول الذي حدده، الرئيس الايراني كان لازما. الثاني، منظمة الامم المتحدة. لم يعد كذلك. هذا هدف اشكالي، ولا سيما عندما تقف وتخطب في مركز قاعة الجمعية العمومية. ولكن بيبي لم يتردد. رسم تسلسل الاحداث منذ فك الارتباط بل وقبله. الصواريخ على النساء والاطفال التي استمرت ثماني سنوات، كل الوسائل واعمال ضبط النفس، وحق الديمقراطية في الدفاع عن نفسها في وجه ارهاب فتاك يدق ابوابها. الفصل الثالث كرس للسلام، حسب نتنياهو، وكرر رئيس الوزراء موافقته على الدولتين وعلى تعريف "السلام الامن"، الذي استخدمه قبل 13 سنة في الانتخابات التي انتصر فيها بفارق طفيف على شمعون بيرس. ماذا سيخرج لنا من هذا الخطاب؟ عمليا، ليس كثيرا. نتنياهو اقنع المقتنعين ولكنه لم يؤثر على المزدوجين اخلاقيا والمغلقين حسيا. يدور الحديث كما هو معروف عن مباراة مباعة مسبقا، عن عرض منسق كتب السيناريو له في اماكن اخرى. من جهة اخرى، تحدث باسمنا. عبر عن احباطنا. دافع عن عزتنا وكرامتنا. قال كل ما نحن نصرخ به امام شاشات التلفزيون او الحاسوب او للعناوين الرئيسة في الصحف في ضوء كل اولئك الذين يستخدمون ضدنا بالذات اخلاقيات لا تستخدم ضد أي احد آخر. وشيء آخر: نتنياهو أظهر ان ليس فقط اوباما يعرف كيف يخطب. هو أيضا خطيب. كلاهما بنيا حياتهما السياسية على قدراتهما الخطابية. صحيح الاسلوب مغاير. فليس لبيبي الكاريزما التي للرئيس الامريكي ولا حتى الارتياح الذي لديه. ولكن ما هي الحكمة في أن تكون مرتاحا حين تكون الرئيس الامريكي؟ لنراك مرتاحا حين تكون رئيس وزراء اسرائيل، مع الصواريخ ومع المتمردين، النشطاء والمستوطنين، اليهود والعرب والمخربين وباقي من لف لفهم. إذن كانت هذه امسية فخار وطني وانتصاب قامة، أمسية في اثنائها اثبت رئيس الوزراء بالحروف، بالحجج وبالوثائق ان بالفعل كانت كارثة. كل ما تبقى له الان هو أن يمنع كارثة اخرى. 25 سبتمبر 2009