المعلن والمخفي في زيارة بينيت السرية للكرملين وتعريجه على برلين

الأحد 06 مارس 2022 08:33 م / بتوقيت القدس +2GMT
المعلن والمخفي في زيارة بينيت السرية للكرملين وتعريجه على برلين



القدس المحتلة/سما/

ما زال الغامض أكثر من الواضح في الزيارة السرية لرئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت للكرملين بعد مساعيه للظهور منذ أسبوع كوسيط وفور هبوطه في مطار اللد صباح اليوم الأحد اكتفى بالقول في تغريدة: “ليس أجمل من أن تكون في البيت ليس أجمل من أن تكون في إسرائيل. أسبوع طيب”. منذ أن تصاعدت الانتقادات الدولية والمحلية لبيعها الأخلاق لصالح المصالح وجدت إسرائيل قبل أيام بالوساطة بين روسيا وأوكرانيا فكرة تعينها على مواصلة الحياد وإمساك العصا من طرفيها وقد توجتّها بزيارة سرية خاطفة لرئيس حكومتها نفتالي بينيت للكرملين يوم السبت.

ترمي إسرائيل من خلال هذه الواسطة والزيارة لاصطياد عدة عصافير بحجر واحد لكن ما الذي يدفع رئيس روسيا فلاديمير بوتين لتكريس ثلاث ساعات من وقته وهو في حالة حرب حرجة خاصة وأن مصادر إسرائيلية تتحدث أن الزيارة جاءت بطلب منه أيضا؟ من جانبها حاولت إسرائيل بعد أيام قليلة من شن الحرب على أكرانيا الترويج لفكرة الوساطة وكشف عن اتصالين هاتفيين لبينيت مع فولوديمير زيلينسكي واتصالين أيضا مع فلاديمير بوتين.

لكن زيلينسكين وهو يهودي الأصل بالذات سارع لتوجيه انتقادات لنفتالي بينيت لعدم اتخاذه موقفا ورفضه الاستجابة بتزويد بلاده بالسلاح الدفاعي فسكب المياه البارد على رأسه بقوله “إن الصديق وقت الضيق وإن علاقات أكرانيا وإسرائيل طيبة جدا لكنني لا أرى نفتالي بينيت يلف نفسه بالعلم الأكراني”. على خلفية تصاعد انتقادات محلية وعالمية موجه لسياسات ومواقف إسرائيل حيال هذه الحرب جاءت هذه الزيارة السرية المفاجئة لبينيت لموسكو.

من بادر للوساطة وبارك لها
وحسب موقع “واينت” العبري بدء بالتحضير لزيارة نفتالي بينيت السرّية لروسيا يوم الأربعاء الماضي فطرحت الفكرة عندما تحدث مع رئيسها فلاديمير بوتين. وحسب بعض المصادر الإسرائيلية الأحد فقد طالبت فرنسا وألمانيا وأكرانيا من بينت التوّسط بين كييف وموسكو وإن رئيس حكومة الاحتلال أطلع سلفا البيت الأبيض بنيته القيام بهذه الزيارة السرية وحاز على مباركة جو بادين.

وحسب هذه المصادر الإسرائيلية أطلع بوتين قبيّل سفره وزراء الخارجية والأمن والمالية بالسفرة المبرمجة منوهة إلى أنه في هذا اللقاء الأول لقائد غربي مع بوتين شارك وزير الإسكان الإسرائيلي زئيف إلكين وساعد بالترجمة الفورية بين بينيت وبوتين كونه بالأصل مهاجرا من الاتحاد السوفيتي (من أوكرانيا) سابقا وسبق أن شارك في اجتماعات رئيس حكومة الاحتلال السابق نتنياهو مع بوتين.

كما شارك في هذه الزيارة السرية رئيس مجلس الأمن القومي ايل حولاتا والمستشارة السياسية شمريت مئير والناطق بلسان بينيت متان سيدي. وكان إلكين التقى مع السفير الروسي في إسرائيل انطولي فيكتوروف وبعد ذلك طلب سفير أوكرانيا يافغين كورينتشوك جلسة سريعة مع إلكين وهذا من طرفه استجاب له ودعاه لوجبة عشاء.

ويقول “واينت” إن زيارة بوتين تمت بسرية تامة لدرجة أن إلكين خشي من استدعاء سيارة تاكسي تقله لمطار اللد فقاد مركبته بنفسه رغم كونه متدينا يحافظ على قدسية السبت. وكشف “واينت” أن بينيت ومن أجل الحفاظ على سرية الزيارة تنازل عن السفر في طائرته الخاصة واستعار طائرة صغيرة يستخدمها الموساد عادة.

مواضيع البحث
وطبقا لـ”واينت” فقد كان الموضوع المركزي الذي تم تداوله في اللقاء بين بوتين وبينيت في الكرملين هو الحاجة بوقف للنار، السماح ليهود روسيا بالهجرة، السماح ببناء ممرات إنسانية في أوكرانيا لإخلاء الجرحى والمدنيين إضافة لتأكيد رفض إسرائيل لاتفاق فينا الجديد ورغبتها باستمرار التنسيق مع روسيا في الأراضي السورية وفي المقابل طلب الرئيس الروسي بأن تمتنع إسرائيل عن تزويد أكرانيا بالعتاد العسكري.

ويتابع “كما طرحت مواضيع أخرى منها قلق إسرائيل على سلامة اليهود والإسرائيليين داخل مناطق القتال”. وفي هذا السياق طلب بينيت من بوتين الموافقة على ما يعرف بـ”ممرات إنسانية” على الأراضي الأوكرانية من أجل إخلاء جرحى ومدنيين كما طلب بالسماح ليهود روسيا بالهجرة بعدما حظرت الأخيرة على مواطنيها مغادرة البلاد. كذلك تحدث بوتين وبينيت حول الوضع في سوريا وطلب الأخير استمرار التفاهم واستمرار حرية الحركة للطيران الإسرائيلي لمنح مساعي إيران من التموضع في الأراضي السورية.

ونقل الموقع العبري عن مصادر إسرائيلية قولها إن بوتين وعد بمواصلة ضمان حرية الحركة للطيران الإسرائيلي والحفاظ على جهاز التنسيق الأمني بين روسيا وإسرائيل. كما قالت هذه المصادر الإسرائيلية إن بينيت عبّر مجددا عن رفضه للعودة مجددا لاتفاق فينا حول النووي الإيراني.

وفيما التزمت حكومة الاحتلال بالصمت حيال هذه الزيارة قال متان سيدي الناطق بلسان رئيسها “تحدث رئيس الوزراء هذه الليلة مرتين مع رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي عقب اجتماعه برئيس روسيا بوتين، كما تحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون”.

وأوضح موفد صحيفة “يديعوت أحرونوت” لأكرانيا المحلل العسكري رون بن يشاي أن مكتب زيلينسكي تعامل مع احتمالات نجاح وساطة بينيت بريبة وتشكيك كبيرين. منوها إلى أنه بعد مكالمتي بينيت زيلينسكي في الليلة الفائتة قال سكرتير الصحافة الأوكراني سارغي نيكيفيروف إن زيلنسكي مستعد للقاء بوتين- إذا وافق رئيس روسيا على ذلك. لا نستطيع تقييم نتائج وساطة رئيس حكومة إسرائيل حتى نتلقى إشارة واضحة من بينيت أو بوتين تفيد بالموافقة على مثل هذا اللقاء”.

واعتبر رون بن يشاي أن زيلينسكي لم يسمع من بينيت أي شيء جديد من شأنه تغيير الوضع. وكتب زيلينسكي في منشور على صفحته ليلة السبت: “هاتفني رئيس حكومة إسرائيل بعد لقائه مع بوتين ونحن مستمرون بالحوار”.

عرّج على برلين
وفور اللقاء الذي دام ثلاث ساعات مع بوتين طار بينيت لبرلين والتقى مستشار ألمانيا أولف شولتز وحسب أقوال الناطق بلسان بنيت فقد التقى الأخير مع شولتز في اجتماع في برلين طال نحو الساعة ونصف الساعة وتناولا وجبة عشاء تحدثا خلالها حول عدد من القضايا منها أوكرانيا وروسيا وهو الآن في طريقه للبلاد”.

والسؤال لماذا كان على بينيت أن يطير لبرلين من موسكو بدلا من الحديث الهاتفي خاصة أنه التقى مستشارها أولف شولتز قبل أيام في القدس المحتلة؟

لم يكتف بينيت بإطلاع شولز على مخرجات اللقاء مع بوتين بمكالمة هاتفية وفضل أن يعرّج على برلين ويبدو أن هذه محاولة استباقية لمنع انتقادات محتملة في الغرب للقائه ببوتين ورسالة مبطّنة مفادها أن لديه شركاء كبار في الغرب في هذه المبادرة ولا يقل أهمية محاولة تعزيز مكانته في العالم وداخل إسرائيل حيث يعاني من تدني شعبيته وهذا علاوة على تثبيت دور إسرائيل بالوساطة في وعي العالم خاصة أنها تمنحها غطاء وفرصة لمواصلة اللعب على كل الحبال والإمساك بطرفي النزاع والاحتفاظ بعلاقات طيبة مع روسيا وأوكرانيا معا.

مغامرة سياسية؟
ويرى “واينت” أن بنيت قام بمغامرة خطيرة بلعبه دور الوسيط لأنه بحال نجحت الوساطة وتحقق وقف إطلاق نار سيحتسب هذا لبوتين وهذا ما سيعزز مكانته دوليا ومحليا. ولكن بحال فشلت الوساطة هناك خوف بأن تتهم إسرائيل بفشل المفاوضات مما ينعكس سلبا ربما على مصالحها. وفي هذا المضمار يقول رئيس الموساد الأسبق إفرايم هليفي في حديث للإذاعة الإسرائيلية العامة إنه من المبكّر تقييم احتمالات نجاح هذه الزيارة، معتبرا أن هذا منوط بمصلحة روسيا بوتين الذي كان له من المهم أن تتم هذه الزيارة فهو في حالة حرب وليس سهلا أن يتفرغ لها طيلة ثلاث ساعات.

رئيس الموساد
ويقارن هليفي بين الأزمة في أكرانيا وبين أزمة الصواريخ في كوبا رغم اختلاف الظروف والشخصيات لكنه لا يستبعد أن يكون بوتين قد تورط في وضع يلزم مفاوضات مساع للبحث عن سلم للنزول عن الشجرة منوها لوجود ضغوط داخلية كبيرة متزايدة مع الأيام على الرئيس الروسي من جهة الشارع الروسي.

رئيس الموساد الأسبق: بوتين أيضا معني باللقاء وربما يبحث عن سلم

وأكد أن مستبدين أيضا أمثال بوتين بحاجة لدعم شعبي وليس فقط لأجهزة شرطة ومخابرات خاصة أن أمهات الجنود الروس يعارض الحرب، وتابع “ينبغي التنبه لقادة آخرين في العالم وهم مهمون. هناك قادة آخرون في العالم ينظرون لما يحدث من الجانب للوهلة الأولى منها إيران التي امتنعت عن التصويت في الجمعية العامة ولم تصوّت لجانب روسيا قبل أيام وتحفظت من ربط بوتين بين العقوبات الغربية والأمريكية وبين الاتفاق الآخذ بالتبلور في فينا حول مشروعها النووي. ولذلك لا شك أن حديث روسيا هذا استفز إيران وربما استفز الصين أيضا.

وقال إن الصين مهمة جدا في هذا السياق فهي الأخرى لم تصوت مع روسيا وسبق أن أعلنت دعمها لسيادة أوكرانيا ولذا يرى هليفي أن بوتين في ضائقة داخلية وخارجية كبيرة مذكرا بتوترات قديمة جدا بين موسكو وبكين.

كيف تفسّر تصريح روسيا حول اعتبار العقوبات الغربية مثلها مثل إعلان حرب وأشارت للجاهزية النووية هل يتجه لخطوات متطرفة أكثر بسبب ما وصفته وبسبب حالة الإحباط الملازمة له؟

“لا أعرف وغير قادر على تقييم مزاج بوتين ولكن لا شك أنه عندما ينظر حوله بحثا عن دعم دولي ويتنبه أن الصين يلتزمون الحياد فهذا أمر جوهري لروسيا الآن وللسنوات القادمة ستكون جوهرية أكثر”.

لذلك ربما كانت زيارة بينيت لموسكو زيارة صحيحة في محاولة للتوسط في ظل أزمة بوتين وبحثه عن سلم للنزول عن الشجرة العالية وربما هذه فرصة لذلك؟

“لا توجد بيد إسرائيل مقدرات تستطيع عرضها على بوتين في الوضع الحالي. هي ليست وسيطا يأتي مع منظومة خطوات قادرة على مساعدة بوتين. من يستطيع مساعدة بوتين هي الولايات المتحدة في هذه المرحلة. بنهاية المطاف هناك مصلحة لواشنطن أن تكون فعالة في إيجاد ودفع سلم للنزول عن الشجرة. عندما تحين هذه المرحلة اعتقد أن مهمة بوتين تنتهي لأن الولايات المتحدة لن تحتاج لطرف ثالث بحال دخلت على خط الدبلوماسية هذا”.

هذا خطأ أن تدخل إسرائيل ذاتها في هذه الأزمة؟

“أولا لا اعتقد أن زيارة بينيت خطأ فإذا كان مهما لبوتين أن يتم لقاء حتى لو لم يثمر في نهاية المطاف عن نتيجة فإن عدم عقد اللقاء هو أيضا خطوة غير سليمة. في هذه الساعة كان من الجيد أن لا يصاب الجمهور في إسرائيل بالحسد”.

وخلصت الإذاعة العبرية للتساؤل: ربما يستخدمنا بوتين فهو محاصر ومن خلال هذا اللقاء يخفف الحصار ويحظى بشرعية؟

وأوضح مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية عن العلاقات مع دول الاتحاد السوفيتي سابقا أن مثل هذه الزيارات تتم عادة بسرية، وردا على سؤال الإذاعة العبرية العامة من بادر لهذه الزيارة اكتفى بالقول “بخلاف زيارات سابقة لبينيت ونتنياهو هذه المرة علمنا بالزيارة قبل وقت قصير منها وليس واضحا بعد هل هي وساطة أم إيصال رسائل. نعلم ما المواضيع التي تم تداولها وأبرزها الحرب وإيران.

وردا على سؤال آخر عما إذا كانت هذه الزيارة تنطوي على مغامرة سياسية كما يرى بعض المراقبين الإسرائيليين محذرين من أن العالم الآن يتنبه بعد زيارة بينيت هذه لموسكو أكثر لموقف إسرائيل بعدما وضعت نفسها في الواجهة  قال مسؤول الخارجية الإسرائيلية إنه لا توجد مخاطر أو مغامرة في مثل هذه الزيارة… فهي حلقة في مسلسل وهناك احترام في روسيا لإسرائيل وأدوارها. اعتقد أن هذا ليس مضرا فإسرائيل تستطيع أن تقدم مساهمات ولها مصالح وعليها واجب المساعدة لليهود في أكرانيا وروسيا. كذلك لسنا وحدنا في هذه المبادرة وهناك في الصورة قادة فرنسا وألمانيا. كذلك لروسيا مصلحة في إرسال رسائل من خلال إسرائيل”.

وقال وزير الاستخبارات الإسرائيلي الأسبق يوفال شطاينتس (الليكود) إنه لا يعرف ماذا كان في اللقاء وماذا كان بين بينيت وبين زيلينسكي وأضاف في حديث لإذاعة جيش الاحتلال” أؤيد عدم إقحام أنفسنا في هذه الأزمة إلا بحال وجود ضمانات تكفل نجاح وساطتنا وأن تبدي كافة الأطراف موافقتها على تسوية في جوهرها تخرج روسيا من أوكرانيا وفي المقابل لا تدخل الولايات المتحدة وحلف الأطلسي”.

ومما تخاف؟
“بحال نجحت إسرائيل في الوساطة فهذا مكسب كبير ولكن هناك عدة مخاوف أخطرها إبراز دور إسرائيل في هذه الأزمة أمر مضر وغير صحي لوجود سلة مصالح لدينا لدى طرفي الصراع”.